PDA

عرض الاصدار الكامل : أصدقاء جدد والكشف عن الحقيقة.



منصور العلياني
25-11-2006, 07:49 AM
24 شوال 1427ﻫ الموافق 15 نوفمبر 2006م
بسم الله الرحمن الرحيم


الزاوية: صناعـة الحيـاة


الموضوع: أصدقاء جدد والكشف عن الحقيقة.
بقلم: د.باسم عبد الله عالِم


محامِ ومستشار قانوني

لقد صدّرت صحيفة الإندبندنت البريطانية صفحتها الأولى بصورة معبرة للرئيسين الإيراني والسوري تحت عنوان رئيسي في أعلى الصفحة هو "أصدقاءنا الجدد". العنوان يشير إلى التقرير الخاص الذي صدر عن اللجنة التي شكلها الرئيس الأمريكي جورج بوش بغرض بحث أسباب الإخفاق الأمريكي في العراق وما نجم عن هذه اللجنة من توصيات.

والعجيب هو أن الجميع بات يعرف مضمون التوصيات قبل إعلانها رسميا بسبب التسريب المعلوماتي المسبق. وهذا النوع من التسريب المعلوماتي ليس إلا فن قديم متبع من قبل الساسة الأمريكان ليجسوا نبض الشارع وردة فعله قبل أن يلتزموا بتقديم مقترح أو أن يقدموا على قرار ذا طابع مثير للجدل أو يتنافى والمعلن من السياسية والمبرم من الوعود والعهود السابقة مع حلفاء الأمس.

وقد بات من المعلوم أن اللجنة التي ترأسها كل من وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر والرئيس السابق للجنة العلاقات الخارجية بالكونجرس الأمريكي السياسي القدير لي هاميلتون بعضوية كل من بيل غيتس المرشح لمنصب وزارة الدفاع وزبيجنو بريزينسكي مشسشار الأمن القومي الأسبق، ستصدر توصيات تتنافى (بشكل صارخ) وما دأبت السياسة الأمريكية إعلان العمل بخلافه منذ عقود. والتقرير سوف يخلص إلى ضرورة إستعانة الولايات المتحدة الأمريكية بإيران وحليفها العقائدي المتمثل في النظام الحاكم في سوريا والتفاهم معهما حول إعادة الإستقرار في العراق والمنطقة مقابل تمكين إيران من لعب دور أكبر والحصول على نفوذ واسع في جنوب العراق على وجه التحديد من جهة، وتخفيف الضغظ الدولي الذي تقوده فرنسا على سوريا من جهة أخرى بالإضافة إلى إعادة إطلاق اليد السورية في لبنان. وفي معرض ذلك، وفي إطار الشأن العراقي، أوصى التقرير بإمكانية التخلي عن النظام البرلماني لصالح نظام رئاسي أكثر مركزية وإن أدى ذلك إلى إنهاء التجربة الديمقراطية في العراق وهو ثمن مقبول مقابل إنقاذ الجيش الأمريكي من المستنقع العراقي.

لقد كانت تعلن الإدارات الأمريكية المتعاقبة رفضها القاطع للتعامل مع الجمهورية الإيرانية كما كانت ولا تزال ترى في النظام الحاكم بسوريا مصدر إزعاج يؤثر سلبا على إنسيابية مسيرة السلام من جهة، إضافة إلى كونه عامل رئيس في عدم إستقرار العراق من جهة أخرى. ولكن التاريخ يشهد بواقعتين هامتين أطلت كل واقعة برأسها لتتوارى سريعا خلف حجب الإعلام الغربي الذي شاء أن يخرجها في صورة تتناسب والمعلن من السياسية الأمريكية. الواقعة الأولى كانت العلاقة السرية التي كشفها النظام الإيرني في منتصف الثمانينات من القرن المنصرم بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والإدارة الأمريكية والتي باتت تسمى بـصفقة (إيران كونترا). وبموجب هذه الصفقة، تم بيع إيران صواريخ متقدمة من قبل الولايات المتحدة عبر إسرائيل وتحويل المبالغ لصالح ثوار الكونترا المدعومين أمريكيا في نيكاراغوا. أما الواقعة الثانية، فكانت الإستعانة الأمريكية بالنفوذ السوري في لبنان والسماح بإطلاق يده الباطشة لإعادة ترتيب البيت اللبناني وذلك لتحقيق أهداف إستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية. وكلا الواقعتين توضح بجلاء فقدان السياسة الأمريكية لمعامل الثبات والإستمرارية في الوقت الذي تدعي فيه وجود منطلقات سياسية ثابتة وتطبيقات لهذه المنطلقات من خلال الوسائل المعتمدة علنا من قبل مجلس الأمن القومي ووزارتي الخارجية والدفاع.

وإذا سلمنا بإمكانية التحول الامريكي عن خط السير المعلن وتذبذبها الشديد بحسب الحالة الراهنة دون النظر إلى عواقب الأمور والتأثير السلبي على الأهداف البعيدة، فإننا يجب ألا نستغرب مضمون التقرير المشار إليه ولا إلى إحتمالية الأخذ به من قبل الإدارة الأمريكية. ولكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد وبخاصة إذا أخذنا في الإعتبار التأثير الإنجليزي على الرئيس الأمريكي وإعلان رئيس الوزراء البريطاني تأييده لهذه التوصيات إن صدرت على الحقيقة، وبأنه سيعمل على إقناع الرئيس الأمريكي بجدواها وضرورة العمل بمقتضاها.

والموقف الإنجليزي هو الذي يسترعي الإنتباه أكثر من غيره، إذ أن السياسة الإنجليزية لا تعرف الإرتجالية والتحولات السريعة التي تحاكي بدّال الساعة الذي أشتهرت به السياسة الأمريكية. وهذا الموقف من شأنه أن يؤكد لنا أن هذه التوصيات إنما تصب بشكل إنسيابي في القنوات التي رسمتها السياسة الإنجليزية منذ زمن بعيد، وإلا لما سارع رئيس وزراء بريطانيا بمباركتها حتى قبل صدورها رسميا. وهذا في حد ذاته لا يتأتى منطقيا إلا إذا كانت المقدمات الخاصة بهذه النتائج قد تم التسليم بها منذ زمن بعيد وكان ينتظر اللحظة المناسبة لإعلانها. ومما لا شك فيه أن إعلان تحالف أمريكي إيراني منذ اللحظة الأولى، مهما صيغ، لم يكن ليجد قبولا لدى الدوائر الشعبية الأمريكية ناهيك عن الدول الدائرة في الفلك الأمريكي بالمنطقة العربية. وهو ما يفسر التفاهمات السرية التي قام بها وزير الخارجية البريطاني في حينها "جاك سترو" مع إيران لضمان نجاح الغزو الأمريكي لأفغانستان وما أعقبه من غزو العراق وإحتلاله. وقد كان لإيران الدور الأكبر في تأمين ظهر الجيشين الأمريكي والبريطاني في أحرج اللحظات القتالية. وهذا الدور الإيراني لا يتعدى المتوقع منه بحسب السوابق والشواهد التاريخية والتي منها (إسقاط الدولة العباسية، دعم الغزو المغولي‘ دعم الغزو الصليبي، التنكيل بالمؤسسات السنية في مصر و الشام إبان الحكم العبيدي في مصر)

ولعل الموقف الإيراني يكافأ اليوم بعدم التعرض للتجمعات والمنظمات الشيعية في العرالاق والموالية لإيران بالرغم من التجاوزات الإنسانية الخطيرة. والمفارقة هاهنا هي فداحة ما تقوم به المليشيات الشيعية من قتل بدم بارد وسكوت الجيش الأمريكي على هذه الجرائم في حين أنقض الجيش الأمريكي بقضه وقضيضه على بعقوبة والفلوجة بالرغم من محدودية الأحداث في ذلك الحين مقارنة بما تقترفه المليشيات الشيعية الموالية لإيران في العراق.

إن ما نشهده اليوم ليس إلا عملية إخراج مفضوحة لسياسة بريطانية أختطت منذ بداية الحرب على أفغانستان والعراق، هدفها إعادة تطبيق نظرية الأحزمة السياسية التي أبتكرها كيسينجر في إطار الحرب الباردة ولكنها هذه المرة تطبق في إطار إقليمي. والهدف الحقيقي يكمن في إيجاد جيوب طائفية في المحيط السني العام لتمنع وتحد من إمكانية الإستقرار والتحالف العام في مواجهة العدو المحتل الخارجي أو العدو الإسرائيلي. ولعل التحذيرات التي أشارت إلى إحتمال قيام هلال أو حزام شيعي في المنطقة لم تكن محض خيال أو تخوف في غير محله كما قيل وقتها. لا يقوى على هذا التخطيط والتفكير الإستراتيجي سوى الإجليز الذين عرفوا العراق وخبروه منذ الحرب الكونية الأولي وأختاروا لأنفسهم البصرة ليبدأوا بتنفيذ هذه السياسة وهم الأعلم بما خبروه من سابق العهد بأنها ستكون عليهم أقل وطأة من باقي المدن العراقية من حيث المقاومة.

ولا يبقى لنا إلا تذكير ساستنا بأن المصالح الأمريكية التي كشفت عما كان مستورا سوف تؤدي في حال الشروع بتنفيذ التوصيات إلى التضحية بالتحالفات والساسة المعتدلين الذين طالما أملوا أن تكون أمريكا الرادع لإيران فإذا بها على وجه الحقيقة هي الممكّن لها ولحلفائها العقائديين المعادين للمحيط السني العام في المنطقة وهو ما يضمن أمن العدوان والسيطرة الخارجية سواء كانت سيطرة أمريكية أو إسرائيلية. والخوف كل الخوف أن يتم إطلاق يد النظام الحاكم في سوريا (عملا بتجربته السابقة في لبنان) للسيطرة على الحالة السنية في العراق بإعتباره ممثلا لدولة سنية وهو الذي لا يتجاوز كونه أقلية عقائدية مرفوضة من جميع المذاهب الإسلامية المعتمدة.

إن المخرج الوحيد هو إستعادة سوريا العربية السنية قلبا وقالبا وإنضمامها إلى جانب حلفائها التأريخيين في المنطقة العربية.
والله ومن وراء القصد....،

hathal
25-11-2006, 04:38 PM
جزاك الله خيرررررر