عبدالله الغيلاني
13-12-2006, 08:22 AM
http://users.mykfupm.com/t1523.jpg
د . عبدالرحمن بن عبد الله الجمهور , قضى جزءاً كبيراً من حياته دون تلك الدال التي حصل عليها , وأحسب لو أني عُدتُ لشبابه , وسألته عن رؤيته لما ينتظره من أيام , فما أظن أنه خطر في قلبه الدراسات العليا , وحتى لا تتوه بكم الفهوم , فلم يكن ذاك كسلاً منه , بلقد وقفتْ أعباءُ الحياةِ عقبةً أمام دراسَتِه , وأُراني الآنَ أقْفزُ بعض الصفحات , لكنه القلم الذي يشاكس من يحمله بعض الأحيان , فيجري به إلى حيثُ لا يريد .
ولدَ والدي في عام 1378 هـ , في مدينة الرياض , حيث قَدمتْ إليها جدتي قبل أن تضع , ثم عادوا مجدداً إلى النعيرية التي كان جدي إماماً و خطيباً فيها .
كان ترتيبه الثالث من بين أخوته , سبقه إلى الدنيا أخوين اثنين , وجاء عقبه أربعةُ من الأخوة و اختانِ , عادوا بعد ذلك للرياض العامرة , ودرس فيها المرحلة الابتدائية , وتخرج منها سنة 1392 هـ , ثم دخل معهد الرياض العلمي , درس فيه سنةً كاملةً تجاوزها بنجاحٍ , ثم توقف عن الدراسة .
وقد عَثرتُ أخيراً على سبب توقفه , حيث يقول - رحمه الله :
"كنت أدرس في معهد الرياض العلمي، وعند اقرار اللغة الإنجليزية بوصفه مقرر أساس في المرحلة المتوسطة كنت وقتها في السنة الثانية متوسط، ولم أوفق في تلك السنة فرسبت فيها، وأعدت السنة، وكان لابد من دراسة اللغة الإنجليزية (منهج الثاني متوسط)، وأنا لم أدرس الأساسيات في اللغة الإنجليزية. طلب مني والدي- رحمه الله- أن أدرس اللغة الإنجليزية في المساء لأسس نفسي في اللغة الإنجليزية، فكانت بداية التوفيق والعلاقة مع اللغة الإنجليزية " [ من لقاء أُجري معه في موقع مدارس العناية الأهلية ] .
لكنه لم يستمر بالدارسة في المعهد , بل ترك الدراسة بعد ذلك و توجه إلى العمل , ولم يلتحق بوظيفة بل ظل يعمل أعمالاً بسيطة .
ثم التحق بأول وظيفةٍ له بعد ذلك بسنتين , وكانت وظيفته / فني تبريد
نعم , كان قد درس قبل ذلك بمركز التدريب المهني , وأتم فيه دورةً تدريبية في مهنة التبريد , ثم التحق بعد ذلك ببرنامج مستشفيات الرياض و الخرج [ المعروفة الآن بـ المستشفى العسكري ] و أنضم لإدارة الصيانة , وبدأت من هنا رحلته مع اللغة الأنجليزية .
كان هذا القطاع [ قطاع الصيانة التابع للمستشفى ] يحوي عدداً كثيراً من الأجانب , وكانت تُدير مشروع الصيانة شركةٌ أجنبية , فمن الطبيعي أن يكون العاملين من الناطقين باللغة الإنجليزية , بل كانت اللغة المعتمدة في الشركة - ولديَّ مُصورات لعدد من الخطابات الصادرة من الشركة - , فكان عمله هذا قد ساهم في زايدةِ حصيلته من هذه اللغة .
استمر في عمله هذا أربعُ سنواتٍ , حتى أطلَّ القرن الجديد , و وُلِدَ لهذا القرنَ عامٌ سُمِّيَ 1401 , فـتزوج والدي في تلك السنة .
وبعد أن استقرت به الحياة , قرر - رحمه الله - مواصلةَ دراسته بعد أن مضى على تخرجه من المرحلة الابتدائية عشرُ سنوات , فعاد مجدداً للدراسة انتساباًً بنظامِ الثلاث سنوات [ لا أدري أيُـعمل بهذ النظام الآن أم لا , وكان هذا النظام يسمح للطالب بدخول الاختبار للمرحلة الدراسية كاملةً - المرحلة المتوسطة , أو الثانوية - فإذا كان الاختبار في مادة التوحيد مثلاً , يُختبر في منهج الثلاث السنوات كاملةً ] , فتجاوز المتوسطة والثانويةِ تباعاً , فاختصر له هذا النظام أربعُ سنواتٍ ثمينة .
وبعد أن نال الشهادة الثانوية بمدةٍ , أصيب جدي بالسرطان في تلك الفترة , وظل يعالج منه ولكن كان ينتشر , لم يطل المقام به فقد توفي رحمه الله سنةَ 1406 , مرضه ثم وفاتهُ كانت مؤلمة , فقد ظلَّ جسده يضمر من أثر ذلك المرض , كان لا يتنفسُ إلا من خلال اسطوانة الأكسجين , تلك لحظاتُ تدمي الفؤاد , أن ترى من تحبُ يخطو إلى القبر وأنت لا تستطيع أن تفعل شيئاً , سوى دعوات تبعثها , أو دموعٍ تسكبها , ولو خُيِّرت في ساعاتك لجعلتَ له نصيباً منها , ولكنك لا تستطيع , لا تستطيع , أمرُ الأعمار إلى الله الرحيم .
درس بعد ذلك في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية , وكان التخصص الذي يرغبه هو [ التاريخ ] لكنه لم يوفق في دخوله فاختار قسم اللغات والترجمة ، وكان قسماً تابعاً لكلية اللغة العربية , واستمر في الدراسة رغم أعباء الحياة , فهو موظفٌ تسرق منه الوظيفة ثُلثَ يومه , حيث كان رئيس قسم الصيانة في المستشفى إذ ذاك , وهو - أيضاً - زوجٌ و أبٌ لطفلين , واستمر في كفاحه رحمه الله , فكثيراً ما كان يجتمع زملاؤه في الدراسة في منزله , ويتدارسون سوياً و يُفيدُ بعضهم بعضاً , حتى مضت تلك السنواتِ الأربع سريعاً , وتخرج من الكلية بنهاية عام 1409 , وكان تقديره [ جيد جداً ] و ترتيبه الرابع بين زملائه .
رُشِّح للإعادة في القسم حيث إنه كان من المميزين دراسياً و خُلقياً , يقول عنه استاذه الدكتور محمد منير الأصبحي : " فإن الطالب عبدالرحمن الجمهور .... من خيرة من عفتهم في القسم من حيث أخلاقه و تمسكه بدينه و نضوج ضخصيته و تحمله للمسؤولية .
لقد قمتُ بتدريس الدفعة التي تخرج عبدالرحمن من ضمنها عدة مواد خلال الأعوام الأربعة التي أمضاها في القسم , فأتيح لي معرفته معرفةً جيدة , ومن ملاحظاتي أن طلاب هذه الدفعة قد أجمعوا على اختياره ممثلاً لهم ومتكلماً باسمهم في مختلف أمورهم , وكان هذا اختياراً تلقائياً لم يصادفني مثيل له في غير هذا من الصفوف التي درَّسها , وقد كان اختيارهم - في الواقع - موفقاً إلى أبعد الحدود .
أما من حيث التحصيل العلمي , فإنني أود أن أبين أولاً أن حصول الطالب على تقدير " جيد جداً " ليس بالأمر السهل , ففي هذا القسم يجد الطالب نفسه يواجه مهمة مزدوجة , وهي اتقان لغة غريبة عنه , و دراسة المقررات المختلفة , أكانت بتلك اللغة أم باللغة العربية , وأعتقد أن عبدالرحمن هو أول طالب يحصل على هذا التقدير وهو يجمع بين الدراسة و العمل و المسؤولية العائلية , باعتباره رب أسرة و موظف بالإضافة إلى كونه طالباً في الجامعة ." [ من خطابٍ بعثه إلى رئيس قسم الثقافة الإسلامية التي كان الوالد - رحمه الله - يؤمل مواصلة الدراسة فيه , تاريخه 24/11/1409 ] .
ولما تم تعيينه معيداً - كان ذلك في صفر من عام 1410 هـ - انصرف إلى عمله , ثمَّ تهيأت له فرصة لمواصلة الدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية , فابتُعثَ بعد 9 أشهر من تعيينه معيداً لمواصلة دراسته. وقبل أن نرحل إلى هناك , فأذكرُ - من باب الذكر لا التذكر - أن والدي قد التحق بدورةِ [ مقدمة في علوم الحاسب الآلي ] , ومدة هذه الدورة شهرين , كان ذلك عام 1405 , والعجيب أن الرقم التسلسلي للشهادة هو 14 !
وقبل ذلك بأشهر , نال شهادةً من شركة M.A.I في الإسعافات الأولية , وكانت تقدم تحت رعاية وزارات الداخلية و الصحة و المعارف - يوم أن كانت تسمى بذلك - , وقد تعجبتُ حين رأيتُ هذه الشهادة ولا يخفاك سبب التعجب - رحمه الله تعالى - .
كانت تلك رحلةُ الغربة الأولى , كان قد سافر قبلها مرة , لكنَّ السفر للدراسة أمرٌ مختلف , فهو سيفارق والدته و أخوته و وطنه , سيعيشُ في الغربة - وما أقسى الغربة - إلى ولاية كلورادو لدراسة الماجستير . حصل على شهادة الماجستير خلال سنتين بتقدير [ جيد جداً ] , ثم بعد ذلك انتقلنا إلى ولاية متشجان و درس هناك الدكتوراه .
كان بيتنُا في أمريكا مفتوحاً دائماً للضيوف , فما من مبتعثٍ يصل إلى الولاية إلا و يدعوه الوالد عنده , ويساعده في أمر سكنه حتى تستقر أموره , لذلك كان محبوباً من زملائه هناك , أم المركز الإسلامي فترةً في ولاية متشجان , خطب الجمعة مرات , وكانت له مشاركات في الدعوة هناك , فقد شارك في تحرير مجلة [ المسلمة ] وكانت مجلة تصدر لتخاطب المرأة المسلمة هناك عمل مع بعض زملائه في تحريرها , ومما أذكره أنه كان مديراً للمدرسة التابعة للملحقية السعودية , ولي شهادةٌ موقعةٌ باسمه .
ليس هذا فحسب , بل كان - أيضاً - حريصاً على الشباب هناك , حيث قدمت إلى الولاية دفعةً من المبتعثين لدراسة اللغة ,فكان لهم عدداً من الأنشطة منها نشاطٌ رياضي مستمر طوال الأسبوع , وكنا نشارك فيه حيث كان قريباً من منزلنا .
ذات يومٍ خرج الوالدُ - رحمه الله - من المنزل في الصباح , كانت هيئته تدل على أن ثمَّة مناسبة في ذلك اليوم , ما الذي يحدثُ يا تُرى !؟
حين عاد , كان باسماً فرحاً , لقد قطف اليوم ثمرة السنوات الطويلة في الغربة , عاد وهو يحمل خبر حصوله على درجة الدكتوراه بتقدير [ ممتاز ] , فأخذنا في نزهةٍ بهذه المناسبة ليدخل الفرحة في قلوبنا , وفي الطريق لا أدري ما الذي عرض للسيارة لكن أذكر أن خزان الوقود أصابته صخرةٌ أو قطعة من الحديد كانت في الطريق , فظل الوقود يتدفق منه , ولم يشعرنا - رحمه الله - بأن هناك مشكلة , بل وصلنا إلى المكان المقصود , ثم خرج و ترك السيارة في إحدى محلات الصيانة , ثم عاد لنا مجدداً .
أحداثٌ كثيرةٌ ومواقف لو حدَّثتُ بها لأطلتُ , وحسبي أن أذكر بعضاً , وإلا فكيفَ تُختزلُ سنواتٌ من العمر في بضع سطورٍ !
عدنا إلى الرياض , وباشر الوالد العمل كاستاذ مساعد في قسم اللغة الإنجليزية وكان لا يزال تابعاً لكلية اللغة العربية كان هذا سنة 1417, ثم عيّن رئيساً للقسم في سنة 1419 إلى سنة 1423 [ فترتين ] , وبعد ذلك صدر قرار تعيينه عميداً للمركز الجامعي لخدمة المجتمع و التعليم المستمر , وفي آخر سنة 1425 تم تعيينه [ أيضاً ] عميداً لكلية الغات و الترجمة , فكان يباشر العمل فيهما جميعاً , ولعله [ أقول لعله ] أوَّل من كُلِّفَ بعمادتين , واستمر فيها حتى وفاته - رحمه الله - .
هذا ما يتعلقُ بعمله في الجامعة , أما خارجها فما أكثر أعماله - رحمه الله - فهو عضو في عدد من اللجان في وزارة التعليم العالي و التربية و التعليم و جامعة سلطان الأهلية , وقد عمل في شركة الدوالج التعليمية ما يزيد على السنة , وكان رئيساً للجنة الاستشارية لتأليف المناهج الشرعية والعربية في مؤسسة مناهج , التي كان مُديراً لها , ولعلَّ أشهر أعماله , برامجه التي كان يقدمها في القناة الثانية , سواءً برنامج الفتاوى المباشرة , أو البرامج التوجيهية الأخرى , وكانت عدد حلقاته التي أعدها و قدَّمها في القناة تزيد على 350 حلقة , وقد نفعا الله بها خلقاً كثيراً - سيأتي حول هذا حديثٌ - , وكان من بركاتِ جهده أن نَشِطت البرامج الدينية في القناة الثانية , و شارك في التقديم فيها عددٌ من زملائه و تلاميذه - جعل الله ذلك في ميزان حسناته - .
له - رحمه الله - مؤلفان , الأول باللغة العربية و عنوانه : التعليم الحاسوبي , والثاني باللغة الإنجليزية وعنوانه : آداب الصلاة .
عمل في مجلة الجمعة - وهي مجلة تصدر عن المنتدى الإسلامي باللغة الإنجليزية - وكان عضواً في مجلس إدارتها , وكان من أجل أعماله في المنتدى الإسلامي موضوع [ ترجمة صحيح ] , وخبرها باختصار : أن شركةً أو مكتبةً كانت قد ترجمة معاني القرآن الكريم ترجمةً جيدة [ واسم المكتبة : مكتبو أبو الخير ] , فاقترح على المنتدى الإسلامي شراء حقوق ملكيتها لتقوم بطباعتها و توزيعها , وبالفعل وافقوا على ذلك فقام هو بالمفاوضة و توقيع عقد الشراء, ثم بعد ذلك تم تنقيح الترجمة و طباعتها . فلله الحمد على ذلك .
من عرفه - رحمه الله - وجد في صفاتٍ جعلته محبوباً :
أولها : الكرم , فقد كان كريماً جواداً بماله وجاهه , فأما ماله فما أكثر الأضياف الذي دخلوا منزله وباتوا فيه , ومما أذكره أن الحديث جرى بنا عن العمالة , فحدثني أنه طلب من أحد عمَّال النظافة في كلية اللغات و الترجمة أن يقوم بتنظيف المكتب من الغبار , فلمَّا أنتهى العامل أعطاه أبي مبلغاً كبيراً لا يحصل عليه لو عمل أياماً , فبكى العامل تأثراً من هذا الموقف , فالعمل الذي قام به يسير .
ومنها أن طالباً من أحدى مناطق المملكة البعيدة قدم للتسجيل في الجامعة , فتعثر موضوع تسجيله , فرأى الوالد الموقف فسعى فيه حتى تجاوز تلك العثرة و تم قبوله , فسأله أحد زملائه - وهو من حدثني بهذه القصة - عن هذا الشاب , فقال الوالد - رحمه الله - : " أنا لا أعرف من هو , لكني رأيته غريباً فخشيتُ أن تتعثر أموره ولا يجد من يعينه " .
ثانيها : التوازن في الشخصية , فهو جاد في وقت الجد , مزوحاً في غيرها , لا يتكلف طباعاً ليست فيه , بل يُعامل الجميع بسجيته , وكم رأيته يحدث السكيرتير - وكان سودانياً - بلهجته ممازحةً له وتلطفاً . وكان يضاحك الصغار و ربما لعب معهم , بل كان إذا أحضر لأخوتي لعبة شاركهم اللعب فيها .
ثالثها : الحزم وقوة الشخصية , فهو ذو هيبةٍ يهابه الصغير و الكبير .
رابعاً : الصلة للأرحام و الأصدقاء , فقد كان كثير الزيارات للأقارب , ولم يقطع أحداً من أصدقائه , و كان من آخر من زاره قبل وفاته - يرحمه الله - أخٌ من الجنسية اليمنية كان يعمل معه في قسم الصيانة في المستشفى العسكري أيام عمله فيه .
كل هذا على رغم كثرة مشاغله - رحمه الله - فلم نكن نراه في اليوم إلا سويعات معدودة , وقت الغداء , وحين يعود في المساء - وربما عاد متأخراً فلا نراه - , ولم يكن يقصر في شيءٍ أبداً , فأمور العائلة مقدمةٌ على كل عملٍ عنده , وربما قطع الاجتماع ليرد على اتصالٍ منا , وكانت له طريقةٌ في ذلك فيقوم بالرد على الجوال و يطلب منا الحديث وهو يستمع منا حتى نخبره بما نريد ثم يجيبنا حسب ما تقتضيه الحاجة .
بعد وفاةِ والده قام هو - رحمه الله -برعايته الصغار من أخوته , وكانوا أخاً و أختاً فضمهم معه في منزله و تولاهم بالرعاية وتابع تعليمهم .
أما حاله مع العبادة , فلم يكن يتخلف عن الصلاة أبداً , وربما عاد متأخراً من العمل فيدخل المنزل مع الأذان فيضطجع بثيابه حتى يقرب وقت الإقامة فينهض للصلاة , وكان قلَّما يترك الوتر , أما الأذكار و الأوراد فكانت كطعامه لا يتركها قط و لا ينسى يوماً أن يوصينا بها .
وكان من نعمة الله عليه أن أدرك آخر مواسم خيرٍ مرت عليه , ففي رمضانه الأخير اعتكف العشر الأواخر كاملةً ولا أعرف أنه اعتكف قبلها , و حجَّ في آخر موسمِ حجٍّ في حياته - وهي حجته الثانية - و رافقه في حجته هذه والدتي وأخي عبدالإله و أختي , وهذا من توفيق الله له حيث يسر الله هذه العبادات في ختام حياته , وإني لأرجو أن يكون داخلاً في حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم : " إذا أراد الله بعبدٍ خيراً استعمله ... " الحديث .
وأخيراً : كان على علاقةٍ حميمةٍ بالكتب , بل كثيراً ما كان يقول لنا " هؤلاء أبنائي " ! , فكان لا يخرج إلا و في يده كاتب , ولا يسافر وإلا ومن مشاريعيه قراءة بعض الكتب , بل لا يزور بلداً إلا ويطوف بمكتباته ويعود و جلُّ مشترايته من الكُتُبْ .
ومن الطريف أني وجدتُ في سيارته - رحمه الله - كتاباً عبارة عن خواطر ومقالاتِ قصيرة , فأخذته لأقرأه , وحين عاد في المساء سأل عن الكتاب فأخبرته بالأمر , فعاتبني وقال لي : " هذا كتاب الإشارات " ! حيث كان نصيب الإشارات منه قراءة صفحات من هذا الكتاب .
و قد ترك لنا - رحمه الله - مكتبةً كبيرةً عامرةً بشتى الفنون , باللغتين العربية و الإنجليزية .
ومن أخبار العزاء , جنازته الحاشدة التي شهدها عدد كثير من الناس , وأنتم شهداء الله في أرضه , وكذلك من توافدوا للعزاء , وأذكر أن عددا من زملائه قدموا - جزاهم اله خيراً وكتب خطواتهم - سوياً للعزاء , اثنان منهم من جدة , و أحدهم من مكة , والرابع من أبها .
ولو لا أني سأنسى بعضهم , لذكرتُ من حضر في العزاء , ولكنهم كثيرٌ جزاهم الله كل خيرٍ فقد كان حضورهم و الدعاء الذي رفعوا و الثناء الذي أثنوه مما ألهمنا السلوان , ولله الحمد أولاً وآخراً .
حدثتني إحدى قريباتنا : أن سائقاً لهم حين رأى صورة الوالد و علم بالخبر أخذ يبكي , فعجبوا له فهو لم يره قط , فقال لهم بلغته البسطة أن هذا الرجل كنتُ أتعلم منه في برنامج الفتاوى الذي يقدمه !
لا عجب , فمن أكثر من تأثر لموته سكرتيره في مؤسسة مناهج , وكان سودانياً حين دخل المنزل جثى على ركبتيه وأخذه البكاء , فصار أخي محمد هو الذي يواسيه و يُعزيه !
هذا ما تيسر لي إيراده من صفحات حياته العامرة بالعصامية و الاجتهاد , وقد كتبتُ ما كتبتُ وأنا أعلم أني لن أقدر على الاستقصاء ولا ذكر كل ما في الباب , لكن حسبي أن أورد بعض الشوارد , وأقيد بعض الأخبار من حياته العامرة , فاعذروني إن وجدتم في الكتابة خللاً , أو في الحكايةِ تقصيراً , أستغفر الله من الزلل .
اللهم يا رحيم يا ودود , اغفر له , وعافه واعف عنه , وارحمه وتجاوز وعنه , واكرم نزله , ووسع مدخله , واغسله بالماء والثلج والبرد , ونقِّه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الابيض من الدنس , اللهم وسع له في قبره ، وارفع درجته، وثبته بالقول الثابت ، اللهم أسبغ عليه شآبيب رحمتك ، اللهم اكتبه في عداد الشهداء , اللهم جازه بالاحسان احسانا , وبالسيئات عفوا وغفرانا ، اللهم ألهم أهله وذويه الصبر والسلوان، اللهم آجرهم في مصيبتهم واخلفهم خيرا منها واخلف على الاسلام واهله يارب العالمين , اللهم اغفر لمن قال آمين .
[ تم بحمد الله و توفيقه و كتبه ابنه / عبدالله ]
د . عبدالرحمن بن عبد الله الجمهور , قضى جزءاً كبيراً من حياته دون تلك الدال التي حصل عليها , وأحسب لو أني عُدتُ لشبابه , وسألته عن رؤيته لما ينتظره من أيام , فما أظن أنه خطر في قلبه الدراسات العليا , وحتى لا تتوه بكم الفهوم , فلم يكن ذاك كسلاً منه , بلقد وقفتْ أعباءُ الحياةِ عقبةً أمام دراسَتِه , وأُراني الآنَ أقْفزُ بعض الصفحات , لكنه القلم الذي يشاكس من يحمله بعض الأحيان , فيجري به إلى حيثُ لا يريد .
ولدَ والدي في عام 1378 هـ , في مدينة الرياض , حيث قَدمتْ إليها جدتي قبل أن تضع , ثم عادوا مجدداً إلى النعيرية التي كان جدي إماماً و خطيباً فيها .
كان ترتيبه الثالث من بين أخوته , سبقه إلى الدنيا أخوين اثنين , وجاء عقبه أربعةُ من الأخوة و اختانِ , عادوا بعد ذلك للرياض العامرة , ودرس فيها المرحلة الابتدائية , وتخرج منها سنة 1392 هـ , ثم دخل معهد الرياض العلمي , درس فيه سنةً كاملةً تجاوزها بنجاحٍ , ثم توقف عن الدراسة .
وقد عَثرتُ أخيراً على سبب توقفه , حيث يقول - رحمه الله :
"كنت أدرس في معهد الرياض العلمي، وعند اقرار اللغة الإنجليزية بوصفه مقرر أساس في المرحلة المتوسطة كنت وقتها في السنة الثانية متوسط، ولم أوفق في تلك السنة فرسبت فيها، وأعدت السنة، وكان لابد من دراسة اللغة الإنجليزية (منهج الثاني متوسط)، وأنا لم أدرس الأساسيات في اللغة الإنجليزية. طلب مني والدي- رحمه الله- أن أدرس اللغة الإنجليزية في المساء لأسس نفسي في اللغة الإنجليزية، فكانت بداية التوفيق والعلاقة مع اللغة الإنجليزية " [ من لقاء أُجري معه في موقع مدارس العناية الأهلية ] .
لكنه لم يستمر بالدارسة في المعهد , بل ترك الدراسة بعد ذلك و توجه إلى العمل , ولم يلتحق بوظيفة بل ظل يعمل أعمالاً بسيطة .
ثم التحق بأول وظيفةٍ له بعد ذلك بسنتين , وكانت وظيفته / فني تبريد
نعم , كان قد درس قبل ذلك بمركز التدريب المهني , وأتم فيه دورةً تدريبية في مهنة التبريد , ثم التحق بعد ذلك ببرنامج مستشفيات الرياض و الخرج [ المعروفة الآن بـ المستشفى العسكري ] و أنضم لإدارة الصيانة , وبدأت من هنا رحلته مع اللغة الأنجليزية .
كان هذا القطاع [ قطاع الصيانة التابع للمستشفى ] يحوي عدداً كثيراً من الأجانب , وكانت تُدير مشروع الصيانة شركةٌ أجنبية , فمن الطبيعي أن يكون العاملين من الناطقين باللغة الإنجليزية , بل كانت اللغة المعتمدة في الشركة - ولديَّ مُصورات لعدد من الخطابات الصادرة من الشركة - , فكان عمله هذا قد ساهم في زايدةِ حصيلته من هذه اللغة .
استمر في عمله هذا أربعُ سنواتٍ , حتى أطلَّ القرن الجديد , و وُلِدَ لهذا القرنَ عامٌ سُمِّيَ 1401 , فـتزوج والدي في تلك السنة .
وبعد أن استقرت به الحياة , قرر - رحمه الله - مواصلةَ دراسته بعد أن مضى على تخرجه من المرحلة الابتدائية عشرُ سنوات , فعاد مجدداً للدراسة انتساباًً بنظامِ الثلاث سنوات [ لا أدري أيُـعمل بهذ النظام الآن أم لا , وكان هذا النظام يسمح للطالب بدخول الاختبار للمرحلة الدراسية كاملةً - المرحلة المتوسطة , أو الثانوية - فإذا كان الاختبار في مادة التوحيد مثلاً , يُختبر في منهج الثلاث السنوات كاملةً ] , فتجاوز المتوسطة والثانويةِ تباعاً , فاختصر له هذا النظام أربعُ سنواتٍ ثمينة .
وبعد أن نال الشهادة الثانوية بمدةٍ , أصيب جدي بالسرطان في تلك الفترة , وظل يعالج منه ولكن كان ينتشر , لم يطل المقام به فقد توفي رحمه الله سنةَ 1406 , مرضه ثم وفاتهُ كانت مؤلمة , فقد ظلَّ جسده يضمر من أثر ذلك المرض , كان لا يتنفسُ إلا من خلال اسطوانة الأكسجين , تلك لحظاتُ تدمي الفؤاد , أن ترى من تحبُ يخطو إلى القبر وأنت لا تستطيع أن تفعل شيئاً , سوى دعوات تبعثها , أو دموعٍ تسكبها , ولو خُيِّرت في ساعاتك لجعلتَ له نصيباً منها , ولكنك لا تستطيع , لا تستطيع , أمرُ الأعمار إلى الله الرحيم .
درس بعد ذلك في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية , وكان التخصص الذي يرغبه هو [ التاريخ ] لكنه لم يوفق في دخوله فاختار قسم اللغات والترجمة ، وكان قسماً تابعاً لكلية اللغة العربية , واستمر في الدراسة رغم أعباء الحياة , فهو موظفٌ تسرق منه الوظيفة ثُلثَ يومه , حيث كان رئيس قسم الصيانة في المستشفى إذ ذاك , وهو - أيضاً - زوجٌ و أبٌ لطفلين , واستمر في كفاحه رحمه الله , فكثيراً ما كان يجتمع زملاؤه في الدراسة في منزله , ويتدارسون سوياً و يُفيدُ بعضهم بعضاً , حتى مضت تلك السنواتِ الأربع سريعاً , وتخرج من الكلية بنهاية عام 1409 , وكان تقديره [ جيد جداً ] و ترتيبه الرابع بين زملائه .
رُشِّح للإعادة في القسم حيث إنه كان من المميزين دراسياً و خُلقياً , يقول عنه استاذه الدكتور محمد منير الأصبحي : " فإن الطالب عبدالرحمن الجمهور .... من خيرة من عفتهم في القسم من حيث أخلاقه و تمسكه بدينه و نضوج ضخصيته و تحمله للمسؤولية .
لقد قمتُ بتدريس الدفعة التي تخرج عبدالرحمن من ضمنها عدة مواد خلال الأعوام الأربعة التي أمضاها في القسم , فأتيح لي معرفته معرفةً جيدة , ومن ملاحظاتي أن طلاب هذه الدفعة قد أجمعوا على اختياره ممثلاً لهم ومتكلماً باسمهم في مختلف أمورهم , وكان هذا اختياراً تلقائياً لم يصادفني مثيل له في غير هذا من الصفوف التي درَّسها , وقد كان اختيارهم - في الواقع - موفقاً إلى أبعد الحدود .
أما من حيث التحصيل العلمي , فإنني أود أن أبين أولاً أن حصول الطالب على تقدير " جيد جداً " ليس بالأمر السهل , ففي هذا القسم يجد الطالب نفسه يواجه مهمة مزدوجة , وهي اتقان لغة غريبة عنه , و دراسة المقررات المختلفة , أكانت بتلك اللغة أم باللغة العربية , وأعتقد أن عبدالرحمن هو أول طالب يحصل على هذا التقدير وهو يجمع بين الدراسة و العمل و المسؤولية العائلية , باعتباره رب أسرة و موظف بالإضافة إلى كونه طالباً في الجامعة ." [ من خطابٍ بعثه إلى رئيس قسم الثقافة الإسلامية التي كان الوالد - رحمه الله - يؤمل مواصلة الدراسة فيه , تاريخه 24/11/1409 ] .
ولما تم تعيينه معيداً - كان ذلك في صفر من عام 1410 هـ - انصرف إلى عمله , ثمَّ تهيأت له فرصة لمواصلة الدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية , فابتُعثَ بعد 9 أشهر من تعيينه معيداً لمواصلة دراسته. وقبل أن نرحل إلى هناك , فأذكرُ - من باب الذكر لا التذكر - أن والدي قد التحق بدورةِ [ مقدمة في علوم الحاسب الآلي ] , ومدة هذه الدورة شهرين , كان ذلك عام 1405 , والعجيب أن الرقم التسلسلي للشهادة هو 14 !
وقبل ذلك بأشهر , نال شهادةً من شركة M.A.I في الإسعافات الأولية , وكانت تقدم تحت رعاية وزارات الداخلية و الصحة و المعارف - يوم أن كانت تسمى بذلك - , وقد تعجبتُ حين رأيتُ هذه الشهادة ولا يخفاك سبب التعجب - رحمه الله تعالى - .
كانت تلك رحلةُ الغربة الأولى , كان قد سافر قبلها مرة , لكنَّ السفر للدراسة أمرٌ مختلف , فهو سيفارق والدته و أخوته و وطنه , سيعيشُ في الغربة - وما أقسى الغربة - إلى ولاية كلورادو لدراسة الماجستير . حصل على شهادة الماجستير خلال سنتين بتقدير [ جيد جداً ] , ثم بعد ذلك انتقلنا إلى ولاية متشجان و درس هناك الدكتوراه .
كان بيتنُا في أمريكا مفتوحاً دائماً للضيوف , فما من مبتعثٍ يصل إلى الولاية إلا و يدعوه الوالد عنده , ويساعده في أمر سكنه حتى تستقر أموره , لذلك كان محبوباً من زملائه هناك , أم المركز الإسلامي فترةً في ولاية متشجان , خطب الجمعة مرات , وكانت له مشاركات في الدعوة هناك , فقد شارك في تحرير مجلة [ المسلمة ] وكانت مجلة تصدر لتخاطب المرأة المسلمة هناك عمل مع بعض زملائه في تحريرها , ومما أذكره أنه كان مديراً للمدرسة التابعة للملحقية السعودية , ولي شهادةٌ موقعةٌ باسمه .
ليس هذا فحسب , بل كان - أيضاً - حريصاً على الشباب هناك , حيث قدمت إلى الولاية دفعةً من المبتعثين لدراسة اللغة ,فكان لهم عدداً من الأنشطة منها نشاطٌ رياضي مستمر طوال الأسبوع , وكنا نشارك فيه حيث كان قريباً من منزلنا .
ذات يومٍ خرج الوالدُ - رحمه الله - من المنزل في الصباح , كانت هيئته تدل على أن ثمَّة مناسبة في ذلك اليوم , ما الذي يحدثُ يا تُرى !؟
حين عاد , كان باسماً فرحاً , لقد قطف اليوم ثمرة السنوات الطويلة في الغربة , عاد وهو يحمل خبر حصوله على درجة الدكتوراه بتقدير [ ممتاز ] , فأخذنا في نزهةٍ بهذه المناسبة ليدخل الفرحة في قلوبنا , وفي الطريق لا أدري ما الذي عرض للسيارة لكن أذكر أن خزان الوقود أصابته صخرةٌ أو قطعة من الحديد كانت في الطريق , فظل الوقود يتدفق منه , ولم يشعرنا - رحمه الله - بأن هناك مشكلة , بل وصلنا إلى المكان المقصود , ثم خرج و ترك السيارة في إحدى محلات الصيانة , ثم عاد لنا مجدداً .
أحداثٌ كثيرةٌ ومواقف لو حدَّثتُ بها لأطلتُ , وحسبي أن أذكر بعضاً , وإلا فكيفَ تُختزلُ سنواتٌ من العمر في بضع سطورٍ !
عدنا إلى الرياض , وباشر الوالد العمل كاستاذ مساعد في قسم اللغة الإنجليزية وكان لا يزال تابعاً لكلية اللغة العربية كان هذا سنة 1417, ثم عيّن رئيساً للقسم في سنة 1419 إلى سنة 1423 [ فترتين ] , وبعد ذلك صدر قرار تعيينه عميداً للمركز الجامعي لخدمة المجتمع و التعليم المستمر , وفي آخر سنة 1425 تم تعيينه [ أيضاً ] عميداً لكلية الغات و الترجمة , فكان يباشر العمل فيهما جميعاً , ولعله [ أقول لعله ] أوَّل من كُلِّفَ بعمادتين , واستمر فيها حتى وفاته - رحمه الله - .
هذا ما يتعلقُ بعمله في الجامعة , أما خارجها فما أكثر أعماله - رحمه الله - فهو عضو في عدد من اللجان في وزارة التعليم العالي و التربية و التعليم و جامعة سلطان الأهلية , وقد عمل في شركة الدوالج التعليمية ما يزيد على السنة , وكان رئيساً للجنة الاستشارية لتأليف المناهج الشرعية والعربية في مؤسسة مناهج , التي كان مُديراً لها , ولعلَّ أشهر أعماله , برامجه التي كان يقدمها في القناة الثانية , سواءً برنامج الفتاوى المباشرة , أو البرامج التوجيهية الأخرى , وكانت عدد حلقاته التي أعدها و قدَّمها في القناة تزيد على 350 حلقة , وقد نفعا الله بها خلقاً كثيراً - سيأتي حول هذا حديثٌ - , وكان من بركاتِ جهده أن نَشِطت البرامج الدينية في القناة الثانية , و شارك في التقديم فيها عددٌ من زملائه و تلاميذه - جعل الله ذلك في ميزان حسناته - .
له - رحمه الله - مؤلفان , الأول باللغة العربية و عنوانه : التعليم الحاسوبي , والثاني باللغة الإنجليزية وعنوانه : آداب الصلاة .
عمل في مجلة الجمعة - وهي مجلة تصدر عن المنتدى الإسلامي باللغة الإنجليزية - وكان عضواً في مجلس إدارتها , وكان من أجل أعماله في المنتدى الإسلامي موضوع [ ترجمة صحيح ] , وخبرها باختصار : أن شركةً أو مكتبةً كانت قد ترجمة معاني القرآن الكريم ترجمةً جيدة [ واسم المكتبة : مكتبو أبو الخير ] , فاقترح على المنتدى الإسلامي شراء حقوق ملكيتها لتقوم بطباعتها و توزيعها , وبالفعل وافقوا على ذلك فقام هو بالمفاوضة و توقيع عقد الشراء, ثم بعد ذلك تم تنقيح الترجمة و طباعتها . فلله الحمد على ذلك .
من عرفه - رحمه الله - وجد في صفاتٍ جعلته محبوباً :
أولها : الكرم , فقد كان كريماً جواداً بماله وجاهه , فأما ماله فما أكثر الأضياف الذي دخلوا منزله وباتوا فيه , ومما أذكره أن الحديث جرى بنا عن العمالة , فحدثني أنه طلب من أحد عمَّال النظافة في كلية اللغات و الترجمة أن يقوم بتنظيف المكتب من الغبار , فلمَّا أنتهى العامل أعطاه أبي مبلغاً كبيراً لا يحصل عليه لو عمل أياماً , فبكى العامل تأثراً من هذا الموقف , فالعمل الذي قام به يسير .
ومنها أن طالباً من أحدى مناطق المملكة البعيدة قدم للتسجيل في الجامعة , فتعثر موضوع تسجيله , فرأى الوالد الموقف فسعى فيه حتى تجاوز تلك العثرة و تم قبوله , فسأله أحد زملائه - وهو من حدثني بهذه القصة - عن هذا الشاب , فقال الوالد - رحمه الله - : " أنا لا أعرف من هو , لكني رأيته غريباً فخشيتُ أن تتعثر أموره ولا يجد من يعينه " .
ثانيها : التوازن في الشخصية , فهو جاد في وقت الجد , مزوحاً في غيرها , لا يتكلف طباعاً ليست فيه , بل يُعامل الجميع بسجيته , وكم رأيته يحدث السكيرتير - وكان سودانياً - بلهجته ممازحةً له وتلطفاً . وكان يضاحك الصغار و ربما لعب معهم , بل كان إذا أحضر لأخوتي لعبة شاركهم اللعب فيها .
ثالثها : الحزم وقوة الشخصية , فهو ذو هيبةٍ يهابه الصغير و الكبير .
رابعاً : الصلة للأرحام و الأصدقاء , فقد كان كثير الزيارات للأقارب , ولم يقطع أحداً من أصدقائه , و كان من آخر من زاره قبل وفاته - يرحمه الله - أخٌ من الجنسية اليمنية كان يعمل معه في قسم الصيانة في المستشفى العسكري أيام عمله فيه .
كل هذا على رغم كثرة مشاغله - رحمه الله - فلم نكن نراه في اليوم إلا سويعات معدودة , وقت الغداء , وحين يعود في المساء - وربما عاد متأخراً فلا نراه - , ولم يكن يقصر في شيءٍ أبداً , فأمور العائلة مقدمةٌ على كل عملٍ عنده , وربما قطع الاجتماع ليرد على اتصالٍ منا , وكانت له طريقةٌ في ذلك فيقوم بالرد على الجوال و يطلب منا الحديث وهو يستمع منا حتى نخبره بما نريد ثم يجيبنا حسب ما تقتضيه الحاجة .
بعد وفاةِ والده قام هو - رحمه الله -برعايته الصغار من أخوته , وكانوا أخاً و أختاً فضمهم معه في منزله و تولاهم بالرعاية وتابع تعليمهم .
أما حاله مع العبادة , فلم يكن يتخلف عن الصلاة أبداً , وربما عاد متأخراً من العمل فيدخل المنزل مع الأذان فيضطجع بثيابه حتى يقرب وقت الإقامة فينهض للصلاة , وكان قلَّما يترك الوتر , أما الأذكار و الأوراد فكانت كطعامه لا يتركها قط و لا ينسى يوماً أن يوصينا بها .
وكان من نعمة الله عليه أن أدرك آخر مواسم خيرٍ مرت عليه , ففي رمضانه الأخير اعتكف العشر الأواخر كاملةً ولا أعرف أنه اعتكف قبلها , و حجَّ في آخر موسمِ حجٍّ في حياته - وهي حجته الثانية - و رافقه في حجته هذه والدتي وأخي عبدالإله و أختي , وهذا من توفيق الله له حيث يسر الله هذه العبادات في ختام حياته , وإني لأرجو أن يكون داخلاً في حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم : " إذا أراد الله بعبدٍ خيراً استعمله ... " الحديث .
وأخيراً : كان على علاقةٍ حميمةٍ بالكتب , بل كثيراً ما كان يقول لنا " هؤلاء أبنائي " ! , فكان لا يخرج إلا و في يده كاتب , ولا يسافر وإلا ومن مشاريعيه قراءة بعض الكتب , بل لا يزور بلداً إلا ويطوف بمكتباته ويعود و جلُّ مشترايته من الكُتُبْ .
ومن الطريف أني وجدتُ في سيارته - رحمه الله - كتاباً عبارة عن خواطر ومقالاتِ قصيرة , فأخذته لأقرأه , وحين عاد في المساء سأل عن الكتاب فأخبرته بالأمر , فعاتبني وقال لي : " هذا كتاب الإشارات " ! حيث كان نصيب الإشارات منه قراءة صفحات من هذا الكتاب .
و قد ترك لنا - رحمه الله - مكتبةً كبيرةً عامرةً بشتى الفنون , باللغتين العربية و الإنجليزية .
ومن أخبار العزاء , جنازته الحاشدة التي شهدها عدد كثير من الناس , وأنتم شهداء الله في أرضه , وكذلك من توافدوا للعزاء , وأذكر أن عددا من زملائه قدموا - جزاهم اله خيراً وكتب خطواتهم - سوياً للعزاء , اثنان منهم من جدة , و أحدهم من مكة , والرابع من أبها .
ولو لا أني سأنسى بعضهم , لذكرتُ من حضر في العزاء , ولكنهم كثيرٌ جزاهم الله كل خيرٍ فقد كان حضورهم و الدعاء الذي رفعوا و الثناء الذي أثنوه مما ألهمنا السلوان , ولله الحمد أولاً وآخراً .
حدثتني إحدى قريباتنا : أن سائقاً لهم حين رأى صورة الوالد و علم بالخبر أخذ يبكي , فعجبوا له فهو لم يره قط , فقال لهم بلغته البسطة أن هذا الرجل كنتُ أتعلم منه في برنامج الفتاوى الذي يقدمه !
لا عجب , فمن أكثر من تأثر لموته سكرتيره في مؤسسة مناهج , وكان سودانياً حين دخل المنزل جثى على ركبتيه وأخذه البكاء , فصار أخي محمد هو الذي يواسيه و يُعزيه !
هذا ما تيسر لي إيراده من صفحات حياته العامرة بالعصامية و الاجتهاد , وقد كتبتُ ما كتبتُ وأنا أعلم أني لن أقدر على الاستقصاء ولا ذكر كل ما في الباب , لكن حسبي أن أورد بعض الشوارد , وأقيد بعض الأخبار من حياته العامرة , فاعذروني إن وجدتم في الكتابة خللاً , أو في الحكايةِ تقصيراً , أستغفر الله من الزلل .
اللهم يا رحيم يا ودود , اغفر له , وعافه واعف عنه , وارحمه وتجاوز وعنه , واكرم نزله , ووسع مدخله , واغسله بالماء والثلج والبرد , ونقِّه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الابيض من الدنس , اللهم وسع له في قبره ، وارفع درجته، وثبته بالقول الثابت ، اللهم أسبغ عليه شآبيب رحمتك ، اللهم اكتبه في عداد الشهداء , اللهم جازه بالاحسان احسانا , وبالسيئات عفوا وغفرانا ، اللهم ألهم أهله وذويه الصبر والسلوان، اللهم آجرهم في مصيبتهم واخلفهم خيرا منها واخلف على الاسلام واهله يارب العالمين , اللهم اغفر لمن قال آمين .
[ تم بحمد الله و توفيقه و كتبه ابنه / عبدالله ]