PDA

عرض الاصدار الكامل : الأشجار تموت واقفة .. ! (أنور باشا)



عبدالله الغيلاني
25-01-2006, 06:34 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

في الوقت الذي كانت فيه شمس الدولة العثمانية مائلة نحو الغروب ، و هي تمر في أسوأ مراحل ضعفها و أحلكها ، حتى أُطلق عليها تسمية : " الرجل المريض " ، وُلِد في عاصمة الخلافة " إستانبول " في عام 1881 م غلام اسمه : " أنور " ، لأب يُدعى " أحمد أفندي " موظف في إدارة الطرق العثمانية . و ترعرع هذا الغلام في إستانبول و كبر ثم التحق بالأكاديمية الحربية ، و قد أبدى نجابة و نبوغاً ، و دهاءً عسكرياً ، و انضباطاً أخلاقياً أعجب الكثيرين ، فترقّى في السلك العسكري حتى نال رتبة رفيعة و هي رتبة : " باشا " رغم حداثة سنه ، ثم أبلى بلاءً حسناً في عديد من المعارك في البلقان و غيرها من المعارك التي خاضها مؤكداً بذلك مهارته .. و شدة مراسه في خوض الحروب .

أنور باشا في جمعية " الإتحاد و الترقي " :

كانت الدولة العثمانية حينذاك - و كما ألمحنا - تمر بمرحلة ضعف شديد ، و تخبط في شئون الإدارة السياسية و الإقتصادية و العسكرية ، الأمر الذي حدا بالعديد من المثقفين وقياديي الجيش للإنضمام إلى جمعية " الإتحاد و الترقي " مخدوعين بشعاراتها البراقة و الجذابة التي ترفعها ، مثل : إطلاق الحريات ، و قيام الحياة النيابية ، و إعلان الدستور ، بيد أنها في واقع الأمر كانت تخفي وراء هذه الشعارات السم الزعاف ، و الحقد على الإسلام ، و محاولة إقتلاع جذوره من الأمة التركية ! إذ كان أكثر المنتمين إلى هذه الجمعية ينتمون أصلاً إلى الجمعيات الماسونية اليهودية ، و يعملون على تحقيق أهداف يهودية بحتة كما سنرى .. !

و قد انخرط " أنور باشا " كغيره من الضباط في صفوف هذه الجمعية ، ظناً منه - و هو الشاب المتحمس - أنها ستساهم في حل المشكلات التي تواجهها الدولة العثمانية ، فتحمس لها و لنشاطاتها ، فغدا أحد أبرز ناشطيها على الإطلاق ، حيث كان عضواً بارزاً في هيئة الإدارة المركزية في " سلانيك " ، و ضابط اتصال بين الهيئة ، و باقي الفروع في المناطق الأخرى .

و عندما رفض السلطان " عبدالحميد الثاني " عام 1901 م عرض اليهود في مساعدة الدولة العثمانية ماديا لإنقاذ إقتصادها المتردي مقابل إنشاء وطن صغير لليهود في فلسطين ، قام الإتحاديون جراء ذلك برفع نبرة الإعتراضات على سياسات السلطان " عبدالحميد الثاني " تحت العديد من الدعاوى المختلفة ، و هي و إن كانت في بعضها صحيحة ، إلا أن الغاية الحقيقية من هذه الدعاوى هو إزاحة هذه العقبة الكأداء - أي السلطان عبدالحميد - عن طريق اليهود ، لتحقيق حلمهم التاريخي بإنشاء دولتهم في فلسطين . فحاولوا في يوليو عام 1908 م عمل إنقلاب ضد السلطان ، فأحدثوا فوضى .. و هرجاً .. و مرجاً ، عندما فتحوا السجون ليخرج منها المجرمون .. و القتلة .. و قطاع الطرق ، ليعيثوا في الأرض فسادا ، و لكن الجماهير المسلمة تعلقت بالسلطان ، و التفت حوله كخليفة شرعي ، و أبدت له الولاء و الطاعة ، فلم ينجح الإنقلاب هذه المرة . و لكن بعد عدة أشهر قام فئة من كبار الضباط بالقيام بالإنقلاب الثاني ليعزلوا السلطان عبدالحميد في مارس عام 1909 م ، و قد كان على رأس هؤلاء الضباط صاحبنا : " أنور باشا " ! الأمر الذي مهد الطريق فيما بعد للطاغية " مصطفى كمال أتاتورك " ، بدقّ آخر مسمار في نعش الخلافة الإسلامية ، و إلغائها في عام 1924 م .. !

الإتحاديون و مستنقع الحرب العالمية الأولى :

بعد ذلك ، نصّب الإتحاديون خليفةً صورياً لا يملك من الأمر شيئا ، و تسلم الإتحاديون زمام الحكم ، فرزحت الدولة العثمانية تحت مغامرات تلك الفئة من الضباط المتهورين و من أبرزهم : " طلعت باشا " و هو الصدر الأعظم ، و " جمال باشا " و هو قائد الجيش الرابع في الشام ، و صاحبنا " أنور باشا " وزير الحربية الذي تقلّد هذا المنصب و هو لم يتجاوز الثلاثة و الثلاثين عاما ! و كان الثلاثة ممن يفتقدون الخبرة السياسية ، خصوصا في مجابهة دول لها باع طويل في اللعب على حبال السياسة ، و فنون إخضاع الدول والشعوب ، مثل : بريطانيا و فرنسا . و ظهر ذلك حينما كانت نُـذُر الحرب العالمية الأولى تلوح في الأفق ، فزجّ أولئك الضباط برعونتهم .. و سوء تخطيطهم بالدولة العثمانية ، إلى أتون الحرب ، وقوفاً إلى جانب حليفتهم " ألمانيا " التي كانت في أوج غبطتها لهذا التحالف ضد أعدائها التقليديين : فرنسا و بريطانيا و حلفائهما ، التي لم يكن العثمانيون على استعداد لخوض أية حروب معها ، و ذلك لحجم الفارق الهائل بين الطرفين من حيث الجاهزية .. و الإعداد .. و التسليح .. !

و دارت رحى الحرب في عام 1914 م ، و تعاقبت الخسائر .. و ترادفت الهزائم ، و أخذت رقعة الدولة العثمانية تنقص من أطرافها ، إلى أن انتهت الحرب في عام 1918 بهزيمة شنيعة للدولة العثمانية و ألمانيا ، بل قد احتلّ الحلفاء عاصمة الخلافة " إستانبول " ! فرفع الإتحاديون راية الإستسلام البيضاء للحلفاء ، و أقاموا حكومة انتقالية تدير شئون الدولة ، و قرر ثمانية من قياديي الدولة مغادرة الدولة خشية على أنفسهم من تداعيات الحرب ، سواء من قِـبَـل الإعداء ، أو من أفراد الشعب العثماني المفجوع بكرامته ، فركبوا سفينة ألمانية تقلّهم إلى جزيرة " القرم " ، و وصلوها و قد أعدت ألمانيا لهم قطاراً يحملهم إلى برلين إلى حيث منفاهم ، و لكن أحد أولئك الثمانية فرّ خلسة من القطار و هم في طريقهم إلى برلين .. !

من هو .. ؟

إنه : أنور باشا .. !

أنـور بـــاشــا إلـــــى روســـيـــــا :

سافر أنور باشا إلى " موسكو " عاصمة " البلاشفة " الشيوعيين في روسيا الذين قاموا للتوّ بالإنقلاب على الحكم القيصري عام 1917 م ، و أقاموا على أنقاضه حكومة شيوعية تحكم الشعب بالحديد و النار ، و كان هؤلاء البلاشفة قد منحوا الوعود لأنور باشا بتقديم الدعم العسكري للعثمانيين ضد بريطانيا عدوّهم المشترك ، و كان أنور باشا الذي يتوقّد حماساً .. و إباءً للذل و الهزيمة ، يرى بأن المعركة لم تنتهِ بعد ، فمكث مع البلاشفة ردحاً من الزمن ، يروح و يغدو عليهم أملاً بإنجاز وعودهم " العرقوبية " .. ! و لكنه لم يجد منهم غير الكلام .. و الأماني العِــراض .. و المماطلة .. !

بـيـْد أن أنور باشا تكشّف له فيما بعد عمق الهوة بين ما يرمي إليه ، و ما يرمي إليه أولئك الملحدون ؛ إذ هو يريد إعادة العزة للإسلام ممثلة بإرجاع الهيبة المفقودة للدولة العثمانية ، و هؤلاء يرمون إلى تكريس هزيمة الإسلام في تركيا ، لا سيما بعد أن اتضح أنهم قد كانوا على اتفاق مع " مصطفى كمال أتاتورك " بعدم تقديم أي دعم لأنور باشا ! و تأكّد له ذلك حينما أماط البلاشفة الشيوعيون اللثام عن و جههم القبيح ، فقاموا بعمليات وحشية لاجتثاث الإسلام من جذوره بمنجلهم الأحمر في بلاد " التركستان " الإسلامية ؛ و قاموا بارتكاب حرب إبادة ضد المسلمين ، انتهكت فيها الأعراض ، و أهدرت الحرمات ، و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم :


و كشّرت الأنياب ، و امتـد مخـلب *** و عـوّت ذئـاب البيد و الفلوات

و دوّت جيوش الغاب تسحق دونها *** دياراً و ترمي شاهق الذروات

تـمـزّ ق أوصـال الـبـلاد غـنــائــماً *** تـناهــبها فـي جهـرة وبـيـات

فما كان من أنور باشا إلا أن هبّ كالليث لنجدة إخوانه هناك ، فالتحق بكتائب المجاهدين ، موظّفاً كل خبراته العسكرية في القيادة و الحرب في تنظيم كتائب المجاهدين ، و قام بتحريض الأهالي للجهاد .. و معلياً لرايته ضد الملحدين الروس ، فنظم قوة عسكرية عصرية التشكيل ، و اهتم بترقية أحوال المسلمين في تلك البلاد من كل النواحي العلمية ، و الصحية ، و الأدبية ، و المادية ، و أنشأ مصنعاً للذخيرة ليكون مدداً للقوات المجاهدة ، فانضم إليه الأهالي من كل حدب و صوب ، و التفّـوا حوله حباً فيه لـِما لمسوا فيه من صدق .. و عاطفة إسلامية متوهّجة .

و شرعت كتائب المجاهدين في العمليات الجهادية ضد الروس ، فحققت انتصارات أبهرت العالم بأسره على الرغم من اتساع الفارق بين الجيشين سواء من ناحية التسليح ، أو العدد ، فاستعادت كتائب المجاهدين خمس ولايات من أصل تسع ولايات اجتاحها البلاشفة ، و استمر الجهاد و كتائب المجاهدين بفضل من الله تعالى تنتصر .. و تغنم ، و جيوش الملحدين تندحر .. و تًغرم .

و لبث " أنور باشا " في جهاده ضد الروس أحد عشر شهراً ضرب فيه أروع الأمثلة من الصمود و الشجاعة ، الأمر الذي أرّق قادة البلاشفة .. و أقض مضاجعهم ، فجرّدوا له حملة جديدة قوامها ثمانون ألفاً يقودهم جنرال روسي اسمه " قامانييف " ، و التحم الجيشان عند بلد اسمه " بالجوان " ، و لكن كتائب المجاهدين اضطرت بسبب نقص الذخيرة إلى التراجع ، و هنا ظهرت مشكلة أخرى و هي قلة الضباط في كتائب المجاهدين حيث فقد أنور السيطرة على جناحي الجيش ، فاستطاع العدو اختراق ميمنة المجاهدين ، فجاء أنور ليقود الميمنة بنفسه ، إلا أن الروس كانوا قد أعدوا له كميناً نصبوا فيه الرشاشات ، فوقع أنور في الكمين و سقط مضرجاً بدمائه في ساحة الوغى وهو في الأربعين عاماً ، و على إثر استشهاده هًزمت كتائب المجاهدين في تلك المعركة ، و ذلك في أول يوم من أيام العيد الأضحى لعام 1338 هـ ، الموافق عام 1922 م

فاجتمع ثلاثون ألفاً من الأهالي و عملوا له جنازة هائلة لم تشهد لها تلك البلاد مثيلاً ، و واروه التراب ، يقول الأمير " شكيب أرسلان " رحمه الله :

" و أحبه أهالي تلك البلاد حباً جماً ، لما رأوه من تواضعه ، و دماثة أخلاقه ، و توطئته كنفه لخاصتهم و عامتهم ، و قد أحدثت ثورته هذه انتباهاً لا يوصف في تلك البلاد " .

ويضيف الأمير بأن الشرقيين في الهند و غيرها لم يكونوا - لفرط حبهم لأنور باشا - يصدقون بخبر وفاته ، إذ يقول :

" و مع هذا فغرام الشرقيين بأنور كان يحدو جرائدهم على ترجيح خبر بقائه حياً ، و ما زالوا يلهجون بذلك حتى أعلن الأمير " الالاي علي رضا بك " نائب أنور بياناً في الجرائد الهندية يقول فيه : " مضى زمن على شهادة الغازي أنور باشا الذي كان يجاهد لتحرير تركستان فهو اليوم ليس في أفغانستان و لا في إيران ، و لا على حدود الهند ، بل قد انتقل إلى جوار ربه الذي جاهد لنيل مرضاته بماله ، و نفسه ... فرجاؤنا من مسلمي الهند أن لا يجددوا أحزاننا بنشر الأخبار الكاذبة عنه ، بل أن يسألوا الله تعالى له المغفرة و الجنة " انتهى " .

بعد هذا التطواف في سيرة " أنور باشا " رحمه الله رحمة واسعة ، نرى بأنه قد ارتكب جرماً عظيماً في حق أمته و هو عزل السلطان عبدالحميد الثاني عن الخلافة ، و كذلك إقحام الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى و هي لم تكن مستعدة لذلك . و لكن عندما نتأمل ما جرى بعد ذلك من أحداث ، و إشعاله جذوة الجهاد ضد الملحدين الروس ، و بطولاته المشرّفة ، و استشهاده ، نرى بأنه قد كفر عن خطاياه تكفيراً عملياً ، إذ قد حاول بكل السبل أن يعيد المجد الإسلامي للدولة العثمانية ، و لما عجز عن ذلك قاد كتائب المجاهدين في تركستان ضد الملحدين البلاشفة ، و استمر على ذلك إلى أن مات ميتتة كريمة .. بل هي أكرم ميتة يموتها الإنسان ، على صهوة جواده .. و في أشرف موضع .. و هو موضع الجهاد ضد أعداء الله تعالى .

لقد كان لهذا البطل مندوحة أن يعيش في زوايا الأرض المعتمة كرفيقه " طلعت باشا " الذي بدأ حياته الجديدة في الظلام ، تحت إسم مستعار في ألمانيا ، أو أن يحيا معززاً مكرماً محظياً عند الملوك ، كما عاش رفيقه الآخر " جمال باشا " عند ملك الأفغان ، و لكن أنور كان يختلف عنهما كل الإختلاف .. فأبى إلا أن ينصر إخوانه المسلمين .. و يقود المجاهدين ضد الملاحدة البلاشفة .. و هو يعلم تماما قوة أعدائه .. و خطورة هذا المَهـيَع ، و آثر أن يموت على صهوة جواده .. منتضياً سلاحه .. مقبلاً .. غير مدبر ، و ما ذلك إلا لأن الأشجار الشامخة .. الباسقة .. لا تموت إلا و هي واقفة .. !

و قد مات هذا البطل واقفاً .. و أي وقوف .. !

نسأل الله تعالى أن يعفو عنه ، و أن يتجاوز عن أخطائه ، و أن يتقبّله في عداد الشهداء يوم القيامة .. اللهم آمين .

أرجو المعذرة على الإطالة .. و دام الجميع سالمين .

المراجع :

1 - حاضر العالم الإسلامي ، شكيب أرسلان .

2 - تاريخ الدولة العثمانية ، محمد فريد .

3 - العثمانيون والروس ، علي حسون .

4 - صحوة الرجل المريض ، موفق بني المرجه .

5 - العثمانيون من قيام الدولة إلى الإنقلاب على الخلافة ، د . محمد سهيل طقوش .

6 - دائرة المعارف الإسلامية .

بقلم الحمداني: الساحات

وائل عبدالله باجروان
25-01-2006, 07:18 PM
جزاك الله خيرا على هذه القصة المؤثرة
إن المتأمل يجد أن الحماسة وحدها لا تكفي في نصرة الإسلام وأخذها إلى ساحة المجد بل يجب التروي والاستفادة من أهل العلم والخبرة والأخذ بأرائهم ووجهات نظرهم واستشارتهم وعدم تقديم وجهات النظر الشخصية في قضايا الأمة الكبرى.

كأني بهذا الرجل في آخر حياته ينطبق عليه قول المصطفى صلى الله عليه وسلم "إنما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة" رواه البخاري ومسلم، فقد استطاع أن يحيي الجهاد ويجمع الناس على الجهاد وأقام مصنع للذخيره وغيرها مما فعله هذا الرجل فأين أمثاله في زماننا.

سلطان العنزي 98
25-01-2006, 08:55 PM
اكثر ما اثارني في هذا الموضوع مع انه بكامله مثير هو

التكفير العملي عن خطاياه التي ارتكبها من باب الخطا والحماس

بوركت

ثامر الشرعبي
26-01-2006, 07:30 AM
سبحان الله نفس الشيء الذي اثارني يا سلطان

بوركت يا سلطان

وكذلك الكاتب والناقل والمعلق.

عبدالله الغيلاني
26-01-2006, 02:41 PM
ترددت كثيراً في وضعه وكان غالب الظن أن لا يكون هناك من يقرأه لطوله

بارك الله في أوقاتكم

سلطان العنزي 98
27-01-2006, 01:12 AM
اهم ما نقرا في هذا المنتدى كلماتك ومشاركاتك نسال الله عز وجل ان لا يحرمك الاجر

وان يزيد من تفاعل الاخوه في المشاركات

بوركت