PDA

عرض الاصدار الكامل : في الغرب... الحكم بالسجن على منكر المحرقة اليهودية



عبدالله الغيلاني
22-02-2006, 07:44 AM
الأهم من الحكم الذي أصدره القضاء النمساوي يوم الاثنين الماضي بسجن المؤرخ البريطاني دايفيد ايرفنج 3 سنوات بتهمة إنكار حدوث المحرقة النازية ضد اليهود، هو خلفيات هذا الحكم ، ودلالاته ، فضلا عن التداعيات المتوقع ان تترتب عليه على صعيد قضية معاداة السامية التي تلجأ إليها إسرائيل ، كلما طالها انتقاد فلسطيني أو عربي أو دولي .

أما الحكم نفسه فليس جديدا ، لا في تاريخ المفكرين والباحثين الذين اقتربوا من قضية المحرقة النازية لليهود ، ، ولا في تاريخ ايرفينج نفسه فقد سبق له وحوكم في بريطانيا وألمانيا ، ومنع من الإقامة في نيوزيلندا بسبب أرائه التي توصف بالفاشية ، ومن بينها نفيه في كتاب أصدره عام 1977 بعنوان " حرب هتلر " عدم وجود غرف غاز في عهد الزعيم النازي الذي كان – حسب قوله - الصديق الأول لليهود .

ابرز ما في الحكم انه صدر في النمسا التي ترأس حاليا الاتحاد الأوروبي ، وتريد – كما أشار الخبير السياسي فريتز بلاسر – أن تستفيد بالمحاكمة في " تأكيد أنها تغيرت في العمق منذ عهد النازيين وأنها أصبحت تعاقب الذين يختلقون أكاذيب حول محرقة اليهود ، رغم مشاركة الحزب الشعبي بزعامة يورج هايدر المتهم بمعاداة السامية ، في الحكومة الحالية " .

ومعلوم أن مصطلح " معاداة السامية " والذي يستخدم اليوم ، و على الرغم من شموله اللغوي لكل أبناء سام بن نوح عليه السلام ، للدلالة على معاداة اليهود ، أو بالأدق رفض السياسة الإسرائيلية ، قد ظهر للمرة الأولى في عام 1873 م بواسطة الصحفي الألماني ولهلم مار ، في كتاب شهير له بعنوان " انتصار اليهودية علي الألمانية من منظور غير ديني " ، وقد أخذت الحركة الصهيونية عند قيامها في عام 1897 ، هذا المصطلح ووظفته لصالح دعوتها القائلة بان" المشكلة اليهودية لن تحل إلا بنقل اليهود إلى خارج أوروبا التي تكن لهم العداء لأسباب عرقية ", ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية اخذ المصطلح أبعادا جديدة ، ضمت إلى جانب " كراهية اليهود " الإعجاب بسياسة الزعيم الألماني اودلف هتلر ، او الدفاع عنه في مواجهة الرواية اليهودية لقصة المحرقة التي أقامها لهم ، ثم اتسع المصطلح بعد قيام إسرائيل ليشمل أي انتقاد لسياستها ، أو لزعمائها ، علما بان إسرائيل استفادت من ترويج هذا المصطلح ، وفي القلب منه قصة المحرقة فوائد طائلة ، بلغ نصيب ألمانيا من الجانب المادي فيها أكثر من 90 مليار دولار في صورة تعويضات .

خلفيات الحكم على ايرفينج

تشمل خلفيات الحكم القضائي النمساوي 3 معلومات مهمة ، أولها إن المؤرخ البريطاني عوقب في عام 2006 على محاضرتين ألقاهما في عام 1989 ، ما يدل على أن المتضررين مما جاء بالمحاضرتين ، ظلوا لأكثر من 16 عاما متمسكين بموقفهم ، وحريصين على ملاحقة خصمهم الذي بقي طوال هذه السنوات مطلوبا من قبل القضاء النمساوي بموجب مذكرة اعتقال ، حتى سقط بالمصادفة أثناء تفتيش مروري على إحدى الطرق الأوروبية .

و الواقع ان ذلك ليس جديدا على تاريخ إسرائيل والجماعات اليهودية المؤيدة لها ، فقد سبق لها وطاردت القائد النازي ايخمان بعد هروبه من ألمانيا الى أمريكا اللاتينية ، وعلى الرغم من وسائل التخفي التي لجأ اليها الرجل خلال وجوده في العاصمة الارجنتينة بيونس ايرس تمكن الموساد منه في الستينيات ونقله الى تل ابيب حيث جرت له محاكمه شهيرة . كما سبق لإسرائيل أن شنت حملة إعلامية وسياسية على المستشار النمساوي السابق كورت فالدهايم إثناء توليه منصب الأمين العام للأمم المتحدة حتى تمكنت من إبعاده عن هذا المنصب ، بدعوى تعاونه مع النازي خلال الحرب العالمية الثانية .

المعلومة الثانية تقول ان مذكرة الاعتقال هذه لم تتهم ايرفينج بإنكار المحرقة اليهودية ، وانما اتهمته بالتشكيك في عدد اليهود الذين راحوا ضحايا لها وكذلك تشكيكه في وجود افران غاز ، و تأكيده أن هتلر لم يكن على علم بما حدث لليهود, وهما امران ينص القانون النمساوي على تجريمهما. و تتراوح عقوبتهما بين عام و10 أعوام سجنا .

أما المعلومة الثالثة فتقول ان ايرفنغ كان قد رفع قضية عام 2000 ضد كاتبة أمريكية اتهمته في أحد كتبها بأنه معاد للسامية الا أنه خسر القضية واتهمه القاضي بأنه «منكر نشط للمحرقة,,, ومعاد للسامية وعنصري», وبسبب هذه القضية حكم عليه بدفع غرامة قيمتها 150 الف جنيه استرليني في عام 2002، مما اضطره الى فقدان منزله بسبب عدم قدرته على سداد الغرامة .

دلالات الحكم .. انتقائية غربية وهيمنة صهيونية

اما على صعيد الدلالات فقد كشف الحكم عن حقيقيتين أساسيتين.. الحقيقة الأولى ان ازدواجية المعايير لم تعد قاصرة على صناع القرار السياسي في الدول الكبرى ، ولكنها صارت جزء من الحياة اليومية للغرب . والشاهد على ذلك ان هذا الحكم صدر ، بالتزامن مع إصرار الحكومات الغربية ، ومعها المؤسسات المدنية على وصف الإساءة المتكررة للنبي صلى الله عليه وسلم بأنها جزء من حرية الرأي والتعبير ، معتبرة ان صدور قانون لتجريم المساس بالمقدسات الدينية سيؤدي إلى تقييد ما تسميه حق الإبداع . والمدهش ان رافعي هذا المبرر اليوم ، هم أنفسهم الذين دافعوا باستماتة عن تضمين القوانين الأوروبية نصوصا تجرم التشكيك في المحرقة النازية لليهود ،على الرغم من القيود التي تفرضها تلك النصوص على حق الإنسان في التفكير لا الإبداع فقط .

في هذا السياق ربما كان مثال فرنسا ، وهي دولة لم تتهم بإبادة اليهود كألمانيا والنمسا ، نموذجا على مدى تغلغل المنطق الانتقائي على المستويين الرسمي والشعبي ، ففي هذه الدولة التي تقدم نفسها مهدا للحريات ، اتفقت الحكومة والمعارضة في عام 1990 على إصدار قانون فابيوس-جايسوت الذي يقضي بالسجن لمدة سنة بالإضافة إلى غرامة مالية قيمتها 300 الف فرنك لمن يشكك في المحرقة ، و رغم أن تطبيق هذا القانون قد اثر سلبا على حرية البحث العلمي . حيث لوحق باسمه المفكر المسلم روجيه جارودي بسبب مقالات نشرها في صحيفة " لوموند " عام 1982 ( أي قبل صدور القانون ) ضد الغزو الإسرائيلي للبنان ، ثم على كتابه الشهير " الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل" . كما فصل البروفسور روبيرفوريسون من منصبه في جامعة ليون بسبب تشكيكه بوجود غرف غاز حرق فيها هتلر اليهود ، هذا فضلا عن سحب درجة الدكتوراه من الباحث في جامعة " نانت " ، هنري روكيه لانه تطرق لمناقشة المحرقة في دراسته لنيل هذه الدرجة ، فيما فصل الاستاذ الذي اشرف عليه من عمله بقرار وزاري ، فان احدا لم يجرؤ على المطالبة بمراجعة هذا القانون .

واللافت للنظر ان الخضوع للمنطق الصهيوني في قضية المحرقة لم يتوقف عند حدود الدول ذات الصلات الحميمة مع إسرائيل ، بل امتد إلى دول أخرى ، ففي البرازيل ، التي لم يكن لها أية علاقة بإبادة اليهود أدانت المحكمة العليا في ابريل 2004 الكاتب سيغفريد إلوانجر ، و قضت بسجنه لمدة عام بتهمة التعاطف مع النازية ، والإصرار على نشر كتب معادية للسامية مثل " بروتوكولات حكماء صهيون" ، و أخرى تنكر وقوع المحرقة مثل كتابه " المحرقة اليهودية أم الألمانية " .

اما الحقيقة الثانية التي عكسها الحكم النمساوي ، فتتمثل في نجاح جماعات الضغط اليهودي والقوى المؤيدة لها ، في جعل معاييرها الخاصة ، مرجعية للحكم على سلوك الآخرين ؛ دولا وإفرادا . ومن يراجع التصريحات الغربية تعليقا على فوز حركة المقاومة الإسلامية " حماس" بالانتخابات التشريعية الفلسطينية ، أو على تصريحات الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد بشأن المحرقة النازية سيجد أن ما نطق به القاضي النمساوي ، هو نفس ما تردده عواصم العالم الغربي .

القادم ...استغلال إسرائيلي

على ما يتضح لمن تابع الاستغلال الإسرائيلي المدروس لأجواء الحرب الأمريكية على الإرهاب ، فان تل أبيب لن تألو جهدا لاستغلال حكم القضاء النمساوي مضافا إلى أجواء التعاطف الغربي الذي أعقب تصريحات الرئيس الإيراني بشأن المحرقة ، لفرض قداسة نهائية على هذا الموضوع ، بل ربما وظفت تلك العوامل داخل الأسرة الدولية من اجل استصدار قرار دولي يجرم الاقتراب من هذا الموضوع.

الوفاق