PDA

عرض الاصدار الكامل : التطوع ..!



عبدالمجيد الحربي
29-07-2008, 03:04 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

.
.

كثيراً ما أفكر في شمولية دين الإسلام ..
و من الحالات التي أفكر فيها بهذا الأمر ..
عندما أرى مشروعاً قام بأيدٍ متطوعة لا تريد من غير الله جزاءً و لا شكوراً ..
و أقول : لو لم يكن في ديننا ما يحث على عمل الخير و احتساب الثواب عند الله ..
هل كان لمثل هذا المشروع أن يقوم؟!
و لمّا كان ذلك كذلك .. وجب على الأمة بكل فئاتها تبني ثقافة التطوع ..
ما أعني بالثقافة هنا هو أن تكون لدى المجتمع القابلية لإنتاج أعداد كبيرة و نوعيات جيدة من المشاريع التطوعية و المتطوعين ..
بمعنى أننا بحاجة لوجود وعي من كافة شرائح المجتمع بضرورة التطوع بل و صحيته بما ينعكس على إيجاد الرغبة و المبادرة إلى التطوع.
و لا شك أن انتشار ثقافة التطوع في أيٍ من المجتمعات هو مؤشرٌ صارخ على تقدمه و رقيه في كافة المجالات.

من المؤسف بحق أن تكون المجتمعات الإسلامية في مؤخرة الركب في التطوع
فلا تكاد تجد إلا أعمالاً إما أن تكون فردية أو تكون ارتجالية أو محصورةً في مجالٍ معين ..
و لا أعمم .. نعم هناك تجارب أشرقت هنا و هناك لكنها تعد قليلة بشكلٍ مخجل
إذا ما قورنت بمشاريع تطوعية ضخمة و كثيرة يديرها
و يستفيد منها غير المسلمين!

و بجولة سريعة في محرك البحث الشهير "google"، ستكتشف أن المسافة هائلةٌ جداً بين "متطوع" و "Volunteer"

كل هذا يحدث و نحن الأمة التي من صميم رسالتها التطوع .. و البذل و التضحية .. و استثمار الطاقات و توظيفها فيما يخدم الأمة ..
و كل هذا يحدث و نحن نقرأ في دستورنا القرآن الكريم
قوله تعالى "و يطعمون الطعام على حبه مسكيناً و يتيماً و أسيراً * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً و لا شكوراً" ..
و لن أستطرد في ذكر الآيات الحاثة على التطوع ..
فيكفيك أخي الكريم أن تقدّر عدد المرات التي أثنى الله عز و جل فيها على "الذين آمنوا و عملوا الصالحات" ..
و لا يكون العمل صالحاً حتى يكون خالصاً لله تعالى ، على نهج النبي صلى الله عليه و سلم ..
و ذلك هو ما يعنيه التطوع بصورته الشمولية الصحيحة.

و لا بد هنا من الإشارة إلى الأسباب التي أثّرت في تغييب هذا المبدأ عن كثير من المسلمين ..
بعموم فضفاض .. فإن ابتعاد الأمة عن روح الإسلام و الحياة به و له أفرز الكثير من الإشكاليات على مستوى التصور و الإدراك ..
اليوم .. أصبح من المستغرب بشدة عند الكثيرين أن يجدواً فرداً أو جماعةً يعملون بلا مقابل ..
و كأننا أصبحنا كائنات نفعية لا هاجس لها إلا ما ستجنيه من المنافع المادية بعد ذلك العمل ..
و لقائلٍ أن يقول أن الحياة عند الكثير قد حصرت في مرتكز وحيد و هو مرتكز المادة و مشتقاتها
التي بالطبع لا تتضمن التطوع من أي وجه كان !
و من نافلة القول .. أن نقول : إن مما أسهم في الوصول إلى هذه المرحلة – عند الكثير – هو طابع "لقمة العيش" الذي
أضحى شرساً
إذا تأملنا في عدد الساعات المستهلكة يومياً في الوظائف و ما يصدق عليه أن يكون سبيلاً لتحصيل لقمة العيش هذه،
أخذاً بالاعتبار أن أبرز ما يحتاجه العمل التطوعي – على مستوى الفرد – هو الوقت.

أما على الصعيد المؤسساتي .. فنجد – في أغلب المؤسسات- تخبطاً و عشوائية في التعاطي مع التطوع و المتطوعين ..
بدءاً من نشر الثقافة .. مروراً بآليات استقطاب المتطوعين و تأهيلهم .. و انتهاءاً بالاستفادة من طاقاتهم و مواهبهم ..
و بطبيعة الحال سيشتكون من قلة المتطوعين .. أو عدم استمرارهم في العمل .. أو مستوى كفاءتهم ..
وهنا .. ينبغي أن يُعلم .. أن متطوعاً لن يأتيَ مالم يقل له أحدهم : أهلاً بك .. الطريق من هنا!
ثم إنه لن يستمر و لن يبدع ما لم يُجعل في المكان المناسب رغبةً .. و طاقةً .. و بيئةً.

ولنا في الغرب عبرة .. "VolunteerMatch.org" موقع أمريكي يتيح لمن أراد التطوع إيجاد الفرصة المناسبة له ..
لقدراته .. لرغباته .. و القريبة من مكان إقامته .. عن طريق بوابة لربط المتطوعين بالجهات المستفيدة ..
وبهذا يتحقق مراد المتطوع و الجهة المستفيدة باحترافية اختصرت في "ضغطة زر"!
و هذا نموذج واحد .. من أعداد كبيرة من المواقع الأجنبية التي تخدم التطوع بطرق مختلفة.
و لذلك .. فلا عجب أن تذكر بعض الإحصائيات أن معدّل تطوع الفرد الأمريكي في الأسبوع هو من 4 إلى 5 ساعات! ..
هذا فضلاً عن الاستفادة من المتقاعدين و شغل أوقاتهم بأعمال تطوعية مناسبة .. في الوقت الذي يُعدون فيه في بعض مجتمعاتنا أناساً انتهت "صلاحيتهم" و عليهم أن يستريحوا !
و تُقتل فيهم روح العطاء و البذل – التي تسهم في إسعادهم و شعورهم بالرضا النفسي- تحججاً بهذه الفكرة الخاطئة الكاذبة!

ألا يحق لنا أن نتساءل : أين أمة التطوع من كل هذا ؟
أجزم أننا نملك العقول المفكرة .. و السواعد الفتية .. و المواهب المبدعة ..
و لكننا بحاجة لمن يعلق الجرس .. و يدخل الباب!
نحتاج لمشاريع جبارة تفعّل التطوع في مجتمعاتنا الإسلامية .. تستفيد من التجارب .. و تروّض التقنية .. و تنتهج التطوير الدائم على كافة الأصعدة ..


باختصار .. نحن نحتاج أن نقول : "اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر و عجز الثقة"


.
.
"ملحوظة : الموضوع طويل و يحتاج لبسط و تفصيل .. و لكنني أحسبها مساهمة واجبة في ظل الواقع المحزن"

.
.

خالد فارس بلبل
30-07-2008, 11:16 AM
جزاك الله خير
مقال ممتاز جدا

عادل آل جزاع
30-07-2008, 05:21 PM
مشكور يا أخ عبدالمجيد على هذا المقال الرائع ..

ثقافة التطوع موضوع مهم جدا .. ولذلك تجد في كندا على سبيل المثال .. لا يمكن للطالب التخرج من أي مرحلة دراسية (ماقبل الجامعة وما بعد الثانوي) حتى ينجز عدد ساعات تطوعية محددة ..
فلقد رأيت مثلا أطفال في المرحلة الابتدائية يمسكون بعلامة "قف" على حافتي طريق المشاة ليوقفوا السيارات المارة عند انصراف الطلاب من المدرسة وقت الظهيرة ..
بالإضافة إلى أنها عندهم - في كندا - تعتبر منقصة وعار أن يجدوا أحدهم يملك عددا قليلا من ساعات التطوع .. بمعنى أنهم يتفاخرون بعدد ساعات التطوع ..
كما رايت كثيرا من الإعلانات لبرامج أو رحلات تطلب المساهمة كمتطوع في الإعداد لذلك ..

أعتقد أن مثل هذا الموضوع بالإمكان إحياءه في النفوس من خلال عدة أمور إبتداء بالمسجد والبيت والمدرسة ومراكز الأحياء

تحياتي المعطرة .. :)

عادل آل جزاع
31-07-2008, 01:38 AM
بالمناسبة .. وجدت هذا المقال الذي يخص الموضوع وفيه بعض الأفكار والمحاولات لزيادة التطوع من خلال مجال العمل .. معليش المقال بالانجليزي ..

ولفت انتباهي هاتين العبارتين !!

“We like to point out that the first three letters of fundraising is F-U-N,”

“Hey, if you want to spend time with your CEO, go out and pull a plane for charity. He'll know you, you'll know him, and that's probably not the worst thing in the world.”

http://www.theglobeandmail.com/servlet/story/RTGAM.20080725.wweekend0726/BNStory/robAtWork/

بدر با سعد
09-08-2008, 08:58 AM
جزاط الله خيرا يا عبد المجيد ..

واسمحلي أن أقتبس عبارتك (نحتاج لمشاريع جبارة تفعّل التطوع في مجتمعاتنا الإسلامية )

لأجعلها (نحتاج لمشاريع - بسيطة - تفعّل التطوع في مجتمعاتنا الإسلامية )

..
وكلا العبارتين صحيحة باعتبار ..

يوسف المكرمي
09-08-2008, 09:16 AM
جزاط الله خيرا

وهل هذه إحدى نتائج الزواج ..

عبدالمجيد الحربي
09-08-2008, 11:44 AM
أخي خالد جزاك الله خيراً ..


أخي عادل .. بارك الله فيك ..
أشكرك مرتين على التعقيب


بدر باسعد .. أهلاً بك و عوداً حميداً ..
يا شيخ اقتبس ما تريد و تصرف في ما تريد فكلها زوايا قابلة للنظر من خلالها
أهم شيء إنك رجعت .. مع أني أحس أن واحد مدقّر لك:)

أبو يعقوب .. متى الزواج؟!

عبدالمجيد الحربي
09-08-2008, 11:47 AM
في ما يلي سأنسخ بعض الردود لقيمتها من منتديات الساخر على نفس الموضوع ..
و اسمحوا لي أن أفرد كل واحد منهم برد مستقل ..

عبدالمجيد الحربي
09-08-2008, 11:47 AM
بسم الله وبه أستعين ..
.
.
.
في البداية أود أن الإشارة إلى أنني وددتُ الإقتباس المتعدد من النص ، بما يناسب كل جزئية أتكلم عنها فيسهل إستيعابها وأحقية إسقاطها ، ولكن لأنك ختمت الموضوع بأنه موضوع طويل ـ وهو كذلك ـ فإنني سأنطلق في مدى أوسع دون الحاجة إلى تبرير لكل ما سأتكلم عنه في المناقشة ..

أجدني مضطراً في هذه الجولة العامة- وخاصة لما جاء في رد الأخت غزوة منهاتن- أن أمر بمنحنيات أصولية وتاريخية في إمتدادات العمل التطوعي ومراتبه وهيئاته ، ذلك لأن مدار الموضوع يرتكز بشكل أساسي من حيث التأصيل العلمي على فعل الخير ، ولكنه على فعل الخير المتعدي نفعه إلى الغير ، وهذا الشق من الخير هو أخير وأفضل من الخير اللازم ، ولكن هذا التفضيل مشروط بعدم فرْضية الخير اللازم كأن تكون صلاة مكتوبة مقابل إلقاء كلمة في محفل ، وممن إختار هذا الرأي محمد بن أبي بكر بن القيم الجوزية رحمه الله ..

وإذا كان الأمر يدور في فلك نفع الآخرين ، فإن هذا النفع إما أن يكون لأبدانهم أو لأرواحهم ، وإما أن يكون لمرة واحدة أو يكون على الدوام ، ولكن أفضله الدوام لقول عائشة رضى الله عنها عن النبي" كان عمله ديمة " ، ومن هنا سنلج إلى باب الصدقة الجارية ، ومنه إلى أعظم أبواب الصدقات في الفقه الإسلامي وهو الوقف ، والذي بدوره سيقودنا إلى تطوع الأفراد في ظلال العمل المؤسسي..

الوقف هو حبس أصل الشيء عن البيع والهبة ثم تسبيل منفعته على الناس ، كمزرعة أو محلات تجارية أو عمارة سكنية لها عوائد دورية ، وجاء في الحديث "فأحبس أصلها وسبّل الثمرة" وقد أوقف النبي عليه الصلاة والسلام وأوقف أبوبكر رضي الله عنه رباعاً له بمكة على الفقراء والمساكين وذوي الرحم القريب والبعيد ، وأوقف عمر بستانه الذي في خبير فلا بياع ولا يُورث ولا يورَّث ، وإنما يتم إنفاقه في سبيل الله وفي الرقاب والمساكين والضيف ثم اشترط وأجاز أكل الوصي/الولي منه بالمعروف أو يوكل صديقه غير متمول به، وأوقف عثمان وأوقف علي عيونا بمدينة ينبع وضيعتين على فقراء المدينة ، والزبير بن العوام أوقف وقال " وللمردودة من بناتي أن تسكن غير مضّرة ولا مضَرٍ بها فإن استغنت بزوج فلا شيء لها " يعني المطلقة حتى تتزوج مرة أخرى ، وأبو طلحة أوقف بماء بيرحاء رضى الله عنهم جميعاً وأرضاهم ..

واستمرت الأوقاف في عهد بني أمية بعد ذلك ، وفي زمن هشام بن عبد الملك استحدثت إدارة لهذه الأوقاف حتى صارت تسمى بـ وزارة الأوقاف ، وكذا في عهد العباسيين وكان المشرف على الوقف آنذاك يسمى "صدر الوقف" واستمرت هذه الأعمال الخيرية التطوعية تدر خيرها على الأمة حتى في الدولة العثمانية ، فقد إهتم العثمانيون بالأوقاف إهتماماً بالغاً حتى قال أحد السياح الكفار " ولم تنحصر خيرات المسلمين في الأحياء بل إمتدت إلى الأموات ، وشجعت الدولة العثمانية بيوت الضيافة التي يسكنها كل إنسان مهما كان دينه ، وتقدم فيها الخدمة لمدة ثلاث أيام ، وأنشأوا على الطرق عيونا جارية لسقاية المسافرين " ..

وكان الملك العادل نور الدين محمود زنكي رحمه الله محباً للعلماء والفقراء والمساكين ، لذا بنى في دمشق مارستاناً عظيماً لم يرى الناس مثله قط ، المارستان هو المستشفى وجعله وقفاً على الأطباء وأكل المرضى وكل المستلزمات الأخرى من نحو أدوية وتجهيزات دفن ميت لا يُعرف أهله أو لا مال له ، وأوقف وقفاً آخر على من يعلم الأيتام القراءة والكتابة وجعل لهم نفقة وكسوة أو ما يسمى حالياً بـ "بدلات السكن والنقل والعلاج " ، كما أوقف لمن ينقطع بمكة أو بالمدينة للـ "مجاورة" أي للتفرغ لطلب العلم والعبادة ، وأوقف الحافظ ضياء الدين المقدسي كتباً كثيرة لخزانة المدرسة الضيائية ، ومن الأشياء التي قام بها المسلمون كأعمال تطوعية متعدية في الأزمان الماضية ، تحصين مدن المسلمين وتدعيم أسوار البلدان وكانت هذا الأعمال مما نفعت المسلمين كثيراً في الجهاد ضد الصليبين .

وكذا وقف المدارس كالمدرسة الجوزية والمدرسة الأيوبية ، وكذا المدرسة الشامية البرانية والجوانية لإمرأة أسمها بنت الشام بن أيوب بن شادي ، وكذا أوقف أمرأة أخرى المدرسة الشمسية في تعز باليمن ، ولا ننسى وقف زبيدة بنت هارون الرشيد "عين زبيدة" من مزدلفة إلى عرفة ، وأنشأت فاطمة بنت إسماعيل جامعة القاهرة ولما قصر بها النفقة ، عرضت مجوهراتها للبيع لإتمام بناء هذه الجامعة ، وكذا تم وقف دار الكتب المصرية ، وكذلك مستشفى القصر العيني والدمرداش وكذا الأربطة الوقفية- جمع رباط- من العماير السكنية التي في المدينة النبوية وغيرها وغيرها ، وإلى يومنا هذا تظل شاهدة وإمتداد لما يسمى بالعمل التطوعي المتعدي على أتم وجوهه لخدمة المجتمع المسلم.

مما تقدم يُعرف أن الوقف من أكبر أسباب قوة الأمة الاسلامية في الماضي ، ولهذا تفطن المستشرقون والباحثون في الحضارة الإسلامية لهذا المورد ، لأنه رافد يساعد على إمتداد الخير وتفرّيغ/تفريخ فئام من الناس لطلب العلم كيلا ينشغلوا بطلب العيش عن نفع أرواح الناس ، ولذا كان العلماء موسوعيين في الماضي فتجد الرجل منهم دائرة معارف في الحديث والتفسير والفقه والنحو والفلك والطب ، ونظرة سريعة إلى واقعنا اليوم يكفي لتعرف أنه في عدد من مدن المسلمين لا يوجد حتى وقف واحد ، وتجدنا للتو - أي في الـ 12 سنة الأخيرة- نفهم معنى الوقف وجدواه في ديمومة أعمالنا لفترات طويل ومديدة ، وكمثال عليه يمكن الإشارة إلى تأسيس "مؤسسة الوقف الإسلامي" في لندن وذلك بعد منع مؤسسة الحرمين الخيرية من مزاولة أنشتطها ووضعها ضمن المؤسسات الداعمة "للإرهاب" وتجميد أرصدتها داخل السعودية ليتم تسريح العاملين فيها في الخارج أولاً ثم الذين بالداخل ، وكذا مصادرة الأموال بعد ذلك وضمها تحت إشراف ما يسمى بـ "الهيئة العليا /اللجنة المشتركة" لتضيع/لتظل رهينة البيورقراطية وتساهم في توقفها كلياً من حيث الموارد تبعاً لجهود الدولة في تجفيف موارد "الإرهاب".

بائع الثلج - منتديات الساخر

عبدالمجيد الحربي
09-08-2008, 11:49 AM
حين نتكلم عن التطوع لخدمة الأمة ، خدمةً يكون آثارها جلية كما في الأمثلة التاريخية السالفة ، ويكون التطوع المراد في موضوعك أعم من مجرد التركيز على هدر "الأيدي العاملة" وعدم إستغلالها، نكون قد شققنا طريقنا إلى الوعي الشمولي ، فحتى هذا الساخر الذي ننعم بظله لن يسعه إلا أن يكون "وقفاً" في أصل نشأته ، قام بإيجاده أفراد وأحاطوه بالعناية والإهتمام ليجده الآخرون مكاناً يستحقهم ويستحق أطروحاتهم فإنجفلوا إليه ، وهكذا تضافرت الجهود بفضل وجود مظلة آمنة وقانون يسيّر الأمور ويضمن عدم بخس أشياءهم ، مع أن المجال كله تطوع في تطوع من حيث النشأة لخدمة اللغة وعلوم الآلة، ولكن بيدو أنهم أدركوا أن تشغيل منجزاته سواء "جوال أدب" أو غيره مهم جداً لتشغيله مادياً وإبقاءه ضمن الإطار المأمول له تقنياً بجانب وفرة الأيدي العاملة.

امتن الله عليَّ بالعمل في مجالات تطوعية كثيرة مع أشخاص كثيرون ، عملت مع مؤسسة الحرمين تحت إشراف عقيل العقيل ومؤسسة إعمار ومؤسسة مكة ومؤسسات البر والجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن ختاماً بأكبر وأضخم مركز توعية الجاليات بالرياض تحت مسمى وظيفي "عضو مجلس الإدارة " وعضو في الإدارة التنفيذية مما مكنني من فهم أعمق لمشكلات الأعمال الخيرية "التطوع" ، وأنَّ أكبر شيء يواجه التطوع والمتطوعين هو سوء التخطيط .إن من أول الأشياء التي تأتي بالمتطوعين وتحفزهم ( وجودُ مشاريع ) تم تصميمها على أطر واقعية و"دراسات جدوى" ، أما إن وجد متطوعون ولم توجد مشاريع فإننا سنقيم في "الحسرة" التي عنونت له آماد قبل أن نتحول إلى " الأمل" .

دعني أقف هنا لأحدثك عن الغرب الذي أراه وتسمع به ، عن أحد أكبر الجامعات وأشهرها "جامعة هارفرد" هذه الجامعة يوجد في صندوق تبرعاتها 19 مليار دولار ، ولكنها لا تعتمد على هذه التبرعات التي قد تأتي وقد لا تأتي أحياناً ، وإنما يعتمدون على إستراتيجية الأوقاف التي تحدثت عنها آنفاً ، أوقاف جامعة هارفرد كثيرة ومتشعبة بشكل هائل تعجز عن متابعتها الجامعة ، -فكما تعلم- الجامعة لم تؤسس لمثل هذا النوع من الإتجار ، وإنما ألزمها للإنخراط في هكذا أعمال ضمانُ إستمرارية نشاطها على أتم الأوجه ، فماذا فعلوا ؟ لم يعاندوا ولم يكابروا بأن المخاطر أكبر منهم ، فقاموا بتكليف شركات محاسبية ضخمة أجزلوا لها في العقود ، لمتابعة عوائد أوقاف الجامعة كل سنة مالية ووضعوا فوقهم محاسبين قانونين، وشركات أخرى لمتابعة سير هذه الأوقاف وإعداد خطط لتطويرها مستقبلياً ، تقيّم هذه الأوقاف بـ 300 مليار دولار http://www.alsakher.com/vb2/images/icons/shock.gif، هذا المبلغ الضخم الذي يتعدى موازنات دول في العالم الإسلامي هو لجامعة واحدة فقط ، تنفق منه على لوازمها وأعمال البحث العلمي وتصميم مقرراتها لمواكبة العصر ومتطلبات سوق العمل في مجتمع يرفع من سقف مطالبه بشكل مستمر ، ولهذا يحدث كثيرا في الغرب أن تجد أن الجامعات لا يتم الإنفاق عليها من الحكومات بل الحكومات عالة عليها ، وطبعاً دع عندك الـ 500 مليون دولار التي تخصصها منظمات التنصير في دولة فرنسا لمفردها سنوياً لتنصير أفريقياً فالحديث في هذا المسار سيزيدنا حسرة فوق الحسرات .

وهكذا تجد الغرب يقدس العمل التطوعي ويحترمه ، نعم يحترمه بحيث تتبناه أعلى المقامات ، ففي إنجلترا وويلز وإسكوتلند يوجد 2000 مكتب محاماة ، مختلفة الأسامي والإدارات ، تم إنشاءها من التبرعات التي حصلت عليها الكنيسة الإنقليكانية بإشراف مباشر من الملكة ( ولك أن تتخيل مجتمع يدفع حوالي 25% من دخله كضرائب ومكوس ) ومن هنا نفهم أن الأعمال التطوعية مع التنظيم والتخطيط فإنها لا تزال بحاجة إلى تبني من الدول حتى نبقى في الوضع الآمن وتتسم بالمؤسساتية بوضعه في مختلف أشكال الأنشطة ، فليس بصحيح دوماً وجوده ومداخلة المالية من محطات وقود أو عماير سكنية فقط ، لماذا لا تكون مواردها من شركات دعاية وإعلام وسياحة ، وما الذي يمنع من كونها في أشكال مكاتب خدمات عامة وتعقيب أو حتى مصانع حلويات وغزل ، كي يعرف الناس أنهم بشرائهم من هذه المؤسسات إنما يدعمون أعمال الخير بطريقة غير مباشرة ، ويكون وجود التطوع ملحوظاً ومشاعاً بين أبناء الأمة وليس شيئاً خاصاً بفئة معينة .

ثم دعني أحدثك - أيها الكريم -عن ثقافة التطوع وإيجاد فرص له بمعاينات أدق من نتائج بحوث محرك "قوقل" ، ذلك أن شيوع ثقافة التطوع في الغرب ليس لأجل الله وحب الخير في أغلبه ، بل لأجل كسب الخبرة وإضافة شيء إلى السيرة الذاتية بعد التخرج من الجامعة ، ذلك لأن الحصول على بكالوريس أو أي شهادات عليا من الجامعة لا تعكس بالضرورة الصورة الحقيقية لجودة الأفراد خارج مقاعد الدراسة وفي الوظائف ، لذا كان يطالب الطالب في بريطانيا في كثير من الوظائف المعتبرة أن يكون قد عمل لـ 6 أشهر بلا مقابل وفي مجالات ذات صلة ، لذا وجدت نفسي أعمل لـ 16 يوم و8 ساعات يومياً بلا مقابل في شركة لمستحضرات تجميل وطبية ، وكذا في مؤسسة ( Oxfam) مع أشخاص من خلفيات شتى (ملاحدة ويهود ونصارى وجنس ثالث وآسيويين وقوقاز وكاريبيين وإنجليز ) تلك المؤسسة التي أخذت على عاتقها محاربة الفقر الذي يحيق بالأطفال عملياً ، كل ذلك للحصول على شهادات خبرة أو نياشين يرفعها الفرد في بيته كدلالة على صلاحه لأولاده من بعده.

إذن لا بد للمجتمع من حمل الناس على التطوع والعمل بلا مقابل كي يتم توظيفهم مستقبلياً في الوظائف المرموقة ، ولهذا يمكنك الدخول على أي شركة وتعرض نفسك متطوعاً بغض النظر عن كونها غنية أو مشهورة أو غير ذلك لتتوظف فيه ويتم تدريبك فيه لأن هذا من قيم المجتمع البريطاني ، ولا أنسى هنا أن أشير إلى أن في الغرب عقوبات ينتفع منها المجتمعات ، فأنت حين تضع قسيمة مالية 300 ريال لمن يخالف الإشارة المرورية ، ويكون هذا المخالف شخصاً مقتدراً من الناحية المالية فأنت في الحقيقة عاقبته ولكنك لم تعاقبه بما يجعله ينتبه في قيادته للسيارة في المرات القادمة ، لذا تجد الغربيين حين يقع شخص مشهور أو غني في مخالفه كأن يبصق على صحفيين أو ما شابه ، لا يتم تغريمهم (لأنهم أغنياء) ولا يتم حبسهم بكل حال (لأن الحبس مكلف ماديا ) وإنما يقومون في حالات كثيرة بفرض أشغال عليه وأحيانا تصل مدة العقوبة لـ 200 ساعة عمل خلال سنة واحدة ، كتشذيب أشجار الشوارع وكالعمل مع المؤسسات الخيرية وإعادة التدوير وفي الخطوط الأمامية لتوزيع نشرات ، أو أي عمل يعود على المجتمع ويكون في الوقت ذاته مهينا لهذا الإنسان الشريف والمشهور أو لا يمتهنه من بمنزلته .

إن أعمالنا لا تكون ناجحة إلا إذا بنيناها على نحو مؤسسي وليس أفراد ، لأن العمل الفردي مهما كان جباراً إلا أنه يذهب بذهابه ، ولنا في مناشط العالم المناظر أحمد ديدات رحمه الله وإضمحلالها تماماً بعد وفاته عبرة وشاهد قوي ، والذي يجعل المهمة صعبة هو صعوبة تأطير العمل التطوعي بعقود على غرار العمل مدفوع الأجر ، هناك فوضى عارمة في أغلب مراكز توعية الجاليات وغيرها من ثكنات التطوع ، بسبب تحرجهم من توقيع عقود مع المتطوعين ، تجعلهم لا يتصرفون ولسان حالهم " ماعلى المحسنين من سبيل " فيأتون وقت فراغهم ويذهبون وقتما شاؤوا ، وإنما يتقيدون به كأنما هو عمل أساسي ، وقد سبق لي القيام مع مجموعة من الشباب على تصميم نظام لأحد مراكز الدعوة ، وفي وسط العمل إكتشفنا أن النظام لا بد له من توجه ووجه يخدمها ، علماً أننا إتبعنا هذا النظام من لوائح وتنظيمات الخطوط الجوية السعودية ، تلك المؤسسة الربحية الصرفة.

أوقفنا كل هذا العمل لنصمم خطة خمسية يمكن عليها قياس مدى تقدمنا وإنجازاتنا لأن النظام ليس إلا وسيلة لتحقيق أهداف وليس هدفا في حد ذاته ، ولأن الأعمال التطوعية لا يمكن قياس عوائدها إلا بوضع أشياء ملموسة ، ثم لنفاجئ برفض شديد وضرورة الإرتجال ولزوم دائرة العمل المطلق بما يرضي "الضمير" لتحقيق نتاج يوازي المراكز الأخرى ، حسنا لماذا؟ لأن التخطيط بحاجة إلى تخصص وتخصيص ، أما التخصص فإنه من الحمق محاولة تغطية كل أبواب الخير من تعليم أبناء المسلمين وإطعامهم وكسوتهم وحفر الآبار وكفالة الأيتام والأرامل وتصريف الزكوات في الأصناف الثمانية وطباعة الكتب وإقامة الدورات والتفطير في رمضان على إتساع العالم الإسلامي ، هذا كله كثير جداً على فئة قليلة جداً من الناس الغير متفرغين للدعوة في الأغلب وكذا غير مؤهلين ، أما التخصيص فهو في البدء أولاً بتسريح كل المتطوعين المزاجيين أو يتم التعاقد معهم وعدم الإعتماد عليهم بشكل أساسي وإنما بالإعتماد على موظفين أساسيين بـ 8 ساعات يومياً ، ويتم فيما بعد وضع لجنة لتصميم أعمالهم وليس إنتظار إرتجالاتهم على ماهو متبع في إدارة المؤسسات اللاربحية/ الخَدَمية.

يجب أن نفهم أن إرادة التطوع بالنفس في مجالات خدمة المسلمين ليست كافية لخدمة المسلمين ، يجب أن يتوفر شرطان هما ( الأمانة والقوة) فليس كل متدين جاهل بالضرورة يصلح داعية وجاهزاً لإقامة الندوات هذا في خانة الأمانة ، وليس كل شخص قوي العلم بلا أمانة وديانة مخولا لأجل علمه مع تاريخه الأسود كي يرأس ثغراً تطوعياً قد يلغي الأسس التي أقيمت عليه ، إذ لا بد من موازنة وفي سالفات الأيام قرأت ( يا أخي ماني مطوع ) (http://www.alsakher.com/vb2/showthread.php?t=99199) لأجده يدندن حول ما نددن فيه هنا على مستوى جاهزية الأفراد .

إذن العمل المؤسساتي المبني على الإدارة الحديثة هو المخرج من أزمة تعثر الأعمال التطوعية الموجودة ، وكذا في إيجاد فرص تطوعية محترمة لمن يريد أن يتطوع فيها ، فهو يخفف من المزاجية والمحسوبية والقرارات المرتجلة من الضغط النفسي على العاملين فيه وإفهامهم أنه لا بد التنازل عن بعض الأشياء المحببة إلينا لضمان جودة العمل بمؤسساتيه ، ولنا في ابن باديس والبشير إبراهيم رحمها الله أسوة حسنة ، ذلك في إيجادهم أحد أكثر المؤسسات نجاحاً في الجزائر وهي جمعية العلماء المسلمين التي تحولت فيما بعد إلى مؤسسة تربوية كبيرة في مختلف المدن مما ساهم كثيراً في مقاومة الإحتلال الفرنسي ودفعه بالعلم.

هذا يكفي ..
فقد اطلت أكثر من اللازم ، فمنك العذر
استفدتُ بعضه من فكر الشيخ محمد صالح المنجد

بائع الثلج - منتديات الساخر

عبدالمجيد الحربي
09-08-2008, 11:50 AM
الأخ النبيل / بائع الثلج ..
أهلاً بك من جديد ..
مستفيداً مما قلت .. أقول :
العمل الخيري بحاجة إلى :
* موارد مالية و تتجلى صورته العظمى - كما أسلفت- في الوقف الذي أفردتَ له رداً أيها النبيل .. و غني عن القول أن المؤسسة إن حققت الاكتفاء الذاتي على هذا الصعيد .. فسينعكس ذلك على جميع متغيرات معادلة تلك المؤسسة ..

* موارد بشرية و هذا العامل هو المؤثر الأبرز في الحياة ككل أخذاً بالاعتبار أننا عندما نقول موارد بشرية أو "أيدي عاملة" فإننا نتجاوز مجرد الجهد البدني إلى العقول التي تفكر و تقرر و تحدث التغيير و التطوير .. و من هنا تبرز أهمية "الاستثمار" في الإنسان .. و يكون ذلك على ساحة التطوع بتثقيفه أولاً بأهمية التطوع له و منه .. ثم تأهيله و توظيف طاقاته ..

* نظم عمل و هو ما أشرتم إليه من كون العمل مؤسسي الصبغة متبعاً لأساليب الإدارة الحديثة .. يعرف كل عامل فيه موقعه بدقة .. بخط الطول "المسؤولية" و دائرة العرض "الصلاحية" .. بعيداً عن الفوضوية و الارتجال ..

و تحت كل واحد تفاصيل كثيرة يضيق الوقت و أشياء أخرى عن ذكرها ..
و أرى أن هذه العوامل إذا وظفت بكفاءة و فاعلية .. فإنها ستكون البيئة المثالية للعمل الخيري و للتطوع من ورائه .

و دمتم

أنا - منتديات الساخر