PDA

عرض الاصدار الكامل : رواية " الغريب " .. صورة من صور الضياع الإنساني .. !



عبدالله الغيلاني
18-04-2006, 09:43 AM
" الغريب " إسم لرواية ألّفها الكاتب الفرنسي " ألبير كامي " المتوفى عام 1960 م ، وقد حاز بسببها جائزة " نوبل " للآداب عام 1957 ، وتعتبر من أشهر رواياته .. و أكثرها جدلا على الإطلاق .

تحكي الرواية عن شاب فرنسي اسمه " ميرسو " .. يعمل في شركة في الجزائر أثناء الاحتلال الفرنسي . تأتيه رسالة من دار المسنين التي أودع فيها أمه بنبأ وفاتها ، حينها يتذكّر أمه التي مضى له أكثر من عام ولم يزرها و لا يعلم عن أخبارها شيئا . يذهب إلى القرية التي فيها هذه الدار .. ثم يلتقي القائمين عليها .. و يدخل الغرفة التي فيها جثمان والدته .. فيسأله الحانوتي عما إذا كان يريد إلقاء نظرة أخيرة على جثمان أمه المسجّى .. ؟

فيجيب بكل برود و لا مبالاة : لا .. !

في الصباح تبدأ مراسيم الجنازة .. والإبن لا يبدي أية علامات للحزن إطلاقا ! بل ينصبّ همّه على الإنتهاء من هذه المراسيم بأسرع وقت كي يعود إلى المنزل ! و تنتهي مراسيم الدفن .. ثم يعود إلى مدينته .

و في اليوم التالي للجنازة يذهب إلى الشاطيء مع صديقته " ماري " ليلعبان و يمرحان .. و بعد ذلك يتفقان على الزواج ، وفي المساء يذهبان إلى السينما لمشاهدة فيلم كوميدي .. و بعد ذلك يقفلان عائدين إلى المنزل .

له صديق اسمه " ريمون " صادف أنه قد دخل في شجار مع شاب جزائري . و في أحد الأيام يخرج الثلاثة : " ميرسو " و " ماري " و " ريمون " في نزهة على الشاطيء ، و لكن هذا الشاب الجزائري كان يترصّدهم و يلاحقهم .. ثم يشتبكان في عراك معه .. فيستلّ " ميرسو " المسدس .. ليطلق منه رصاصة أردت هذا الشاب جثة هامدة .. و أتْـبَعَـها بأربع رصاصات مزقت الجثة الميتة بدمٍ بارد .. و عدم اكتراث .. !

يُعتقل "ميرسو " .. و يودع السجن .. ثم تبدأ إجراءات التحقيق ، و يُفاجأ المحقق أنه أمام شخص لا يحمل أية أحاسيس على الإطلاق .. ! بل لا يعي فداحة الجريمة البشعة التي ارتكبها .. ! و يعمل هذا المحقق جاهدا أن يصل معه إلى نقطة يبدأ من عندها .. فهو يتعاطف معه .. ويأمل أن يحصل منه على أي تبريرات لهذه الجريمة مهما كانت بسيطة ، ولكنه يصطدم بجبلٍ من السلبية و اللامبالاة .. لأن " ميرسو " مشغول بما هو أهم من ذلك .. إنه مشغول بطرد الذباب عن وجهه .. !

بعد فترة يُقدّم إلى المحاكمة .. فـتُحضِر المحكمة الشهود من دار المسنين ليُدلوا بشهاداتهم على هذا الإنسان المتبلد الأحاسيس ، فيشهد الجميع ضدّه بأنه لم يُبدِ أي علامات للحزن والجزع في جنازة أمه .. و لم تذرف عيناه دمعة واحدة .. وأنه بخل حتى بنظرة أخيرة لجثمانها .. بل لم يقف على قبر هذه الأم التي كانت سبباً في وجوده للحياة .. ! و يزيد الأمر سوءاً أنه في اليوم التالي ذهب إلى الشاطيء مع صديقته .. ليعبث .. و يلهو .. ثم يتفقان على الزواج ! فكانت هذه الشهادات حججاً قوية للإدعاء العام بأن يطالب بتنفيذ أقصى العقوبات عليه ، و في نهاية الأمر يُحكم عليه بالإعدام .

كل هذا يجري و صاحبنا أثناء المحاكمة ينظر و يتفكّر في قضايا بعيدة كل البعد عن قضيته .. ! ثم يحزّ في نفسه أخيراً أنهم يبتّون في أمره .. و هو لا يد له في حق تقرير مصيره ، لذا فهو يحقد عليهم .. ويبغضهم ، و عندما يُعاد إلى السجن وهو بانتظار تنفيذ حكم الإعدام .. يدخل عليه القسيس كي يُقنعه بالتوبة على طريقة النصرانية المحرفة .. و ذلك باللجوء إلى السيد المسيح كي يغفر له خطاياه ! .. فيدخل معه في حوار عقيم .. يُعلن فيه صراحة بأنه لا يؤمن بالله ثم يطرده من الزنزانة شرّ طردة ! .. لينتظر يوم إعدامه .. و هو يتمنى أن يقف فيه أكبر حشد من الناس .. كي يطلب منهم جميعا أن .. يكرهوه .. !

في الحقيقة ، إن المؤلف قد أجاد في تصوير هذه الشخصية الغريبة .. و وُفّق في إبراز كل ما تكنّه و تخفيه من مشاعر مستخدما لغة سهلة .. سلسة ، تنطوي على الكثير من الدلالات النفسية و الفلسفية .. و لكنها عميقة المعاني .. عسرة المنال .. تحتاج إلى شيءٍ من إجهاد الذهن لاقتناصها .. وانتزاعها .

فأبرز ما يلفت نظرك في هذه الرواية ، أن مشاعر هذا الشاب تنتظم في مؤشّر ثابت .. ووتيرة جامدة .. فلا ترتفع بفرح .. أو تنخفض بحزن ، فكل الأمور تتساوى لديه .. و يردد دائما في نهاية كل موقف : " و ماذا يعني ذلك .. ! " .. سلبي تماما .. و لا يتفاعل مع أي حدث أبدا ، لأن الحياة عنده لا قيمة لها .. و لاتمثل أي معنى يستحق اهتمامه .. لذا فالحياة والعدم عنده سواء .. !

وقد أجاد كذلك في كشف التناقضات بين هذا الإنسان ، و أبسط القيم الأخلاقية النابعة من صميم الفطرة الإنسانية .. حينما كان يجلس مع جاره العجوز الذي يشكو له مرارة الحزن الذي يعتصر قلبه على فقدانه كلبه ، و " ميرسو " يقارن أحاسيسه المتبلدة لدى وفاة أمه .. بأحاسيس هذا العجوز الجياشة و الصادقة تجاه كلبه .. !

وقد أجاد أيضا في اختيار إسم الرواية وهو " الغريب " ، فهو إنسان يشعر فعلا ً بالإغتراب عن كل شيء .. عن مجتمعه .. و عن أصدقائه .. و عن ذاته ، وقبل هذا أو ذاك هو غريب عن فطرته وهي " التوحيد " .. لأنه ملحد لا يؤمن بالله تعالى .. ! فلا غرابة أن تكون نظرته للحياة مضطربة .. متناقضة .. عبثية .. لا تستقر على قرار ، لأنها تفتقد الأسس الفكرية التي ينطلق منها هذا الشخص في تصوراته للكون .. والحياة .. والإنسان ، فإذا كان هذا الشخص قد قطع كل العلائق و الروابط التي تربطه بخالقه ، فكيف نريد منه أن يبرّ والدته .. أو على الأقل يتأثر بوفاتها .. ؟ أو أن يُدرك حرمة دم ذلك الإنسان الذي أزهق روحه بكل برود .. ؟

أيها الإخوة الكرام ..

إن هذه الرواية باختصار ، ما هي إلا صورة من صور الضياع الإنساني برمّته ؛ بيـْد أن " ميرسو " قد اكتسب هذه الأهمية .. و اجتذب الإنتباه في هذه الرواية لكونه قد ارتكب جريمة قتل .. وأُدخل السجن .. ثم قُـدّم إلى المحاكمة .

ولكن .. كم من الغرباء خارج أسوار السجن .. بعيدين عن أغلال الأسر .. يغدون .. ويروحون في مناكب هذه الأرض .. وهم سجناء الحيرة والتيه .. و يرسفون في أغلال الضياع الروحي والخلقي .. لا يعرفون ما دورهم في الحياة الدنيا .. و لا إلى أين مصيرهم بعد الموت .. !

نعم .. إن " ألبير كامي " مؤلف الرواية قد امتلك الشجاعة .. فاستنطق أحاسيس هذا الغريب في روايته ، و أظهرها للعيان بلا مواربة .. أو مداراة ، ولكن كم من غريب في هذه الحياة الدنيا يفتقد هذه الشجاعة للبوح بما يكنّه من أحاسيس .. و ما يختلج بين جوانحه من مشاعر .. ؟

و لذلك أوردت اللجنة التي منحت هذه الرواية جائزة " نوبل " كلاماً بما معناه : إنه الوحيد الذي عرف كيف يكشف النفس الأوروبية خلال الحرب و ما بعدها على حقيقتها ، و يعرضها كما هي : بيأسها ، و سخافتها ، بتهافتها على كل ما هو تافه و رخيص .. !

و بعد ..

فهل هذه حياة الإنسان الذي كرّمه الله تعالى و فضّله على جميع مخلوقاته .. ؟

هل هذه حياة الإنسان الذي أسجد الله له الملائكة .. ؟

هل هذه حياة الإنسان الذي عهد الله إليه بالأمانة التي أبت السماوات و والأرض و الجبال أن يحملنها .. كي يقوم بدور الخلافة في الأرض .. ؟

لا والله ..

إنما هي حياة البهائم .. بل البهائم أفضل حالاً من هؤلاء ، لأنها تسبّح بحمد الله :


" وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم " ( الإسراء 44 ) .


أما أمثال هؤلاء فيقول فيهم رب العزة تبارك وتعالى :


" ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون " ( الأعراف 179 ) .

و يقول الشاعر العاقل :


لقد هيـّأوك لأمـرٍ لو فطنت له *** فاربـأ بنفسك أن تـرعى مع الهـملِ

نعوذ بالله أن نحيا حياة هذه البهائم .. أو أن نكون هملا من الناس .. و نسأل الله تعالى أن يهدينا إلى الحق .. وأن يثبّتنا عليه .. وأن يقبضنا عليه .. اللهم آمين .. اللهم آمين .


منقول

يوسف المعلم
18-04-2006, 11:12 AM
يُعتقل "ميرسو " .. و يودع السجن .. ثم تبدأ إجراءات التحقيق ، و يُفاجأ المحقق أنه أمام شخص لا يحمل أية أحاسيس على الإطلاق .. ! بل لا يعي فداحة الجريمة البشعة التي ارتكبها .. ! و يعمل هذا المحقق جاهدا أن يصل معه إلى نقطة يبدأ من عندها .. فهو يتعاطف معه .. ويأمل أن يحصل منه على أي تبريرات لهذه الجريمة مهما كانت بسيطة ، ولكنه يصطدم بجبلٍ من السلبية و اللامبالاة .. لأن " ميرسو " مشغول بما هو أهم من ذلك .. إنه مشغول بطرد الذباب عن وجهه .. !




منقول

:18: :18: :18:


تحمست لقراءة الرواية

موضوعها جميل جدا

محمد الشمراني
18-04-2006, 12:44 PM
عند قراءتي للعنوان .. توقعتها رواية د.محمد جربوعة ..

رائعة هي أيضا :)

محمود
18-04-2006, 04:11 PM
أتوقع أن هناك من هو أسوأ. على الأقل هذا حضر مراسيم جنازة أمه!

أعوذ بالله من الضياع ..

تركي العردان
19-04-2006, 06:42 AM
شكراً على الرواية والتحليل ..

روايات تصوير الضياع الغربي كثيرة تنبع من واقعهم .. المشكلة في (أغبياء هنا) .. يقرأونها ويحاكونها بالضبط ويحسبون أنهم أتوا بجديد .. وأن هذا هو واقعنا ..

لكن الحماقة .. أعيت من يداويها

عبدالله الغيلاني
19-04-2006, 11:50 AM
يوسف حتى انا تحمست بس مدري وين ألاقيها

محمد رواية الغريب لجربوعة تحكي صورة أخرى من الغربة وهي بحق مؤثرة

محمود سعيد اللهم آمين

تركي هذا جحر الضب وما يتبع الدخول فيه