تركي العردان
07-12-2005, 08:09 AM
(1)
عارف وطلال ، يتبادلان الأحاديث الودية في فناء المدرسة وقت الفسحة.
أحاديث الطلاب مشتتة المواضيع ليس لها خطام .. تجد لديهم وفرة في الكلام ، فإذا جاءت مجالس الرجال لا تجد منهم متحدثا بليغا ، كأنهم فيما بينهم كما يقول أجدادنا: (عصافير في سدرة !!) إذا تأملت ، لا تجد فيها بلبلا مغردا !!
أحاديثهم –غالبا- حول الهم الدراسي لأنه العامل المشترك بينهم .. ولا تخلو من تعليقات لاذعة و تندر وسخرية وغيبة و.. و .. كما يدور –غالبا- في استراحة المعلمين .. !!
هكذا تبدوا الحياة التعليمية في الظل .. وهكذا يبدوا الوجه غير المضيء للقمر .. !!
الطلاب امتداد لثقافة معلميهم ومستواهم الفكري والتربوي ، والمعلمون امتداد لمستوى المرشدين والموجهين والمسئولين في وزارة التربية والتعليم ..
هناك خلل تربوي يؤرق المصلحين وكل فئة تشير إلى وجود خلل في الفئة الأقل منها ، وترمي الفئة الأعلى منها بالتقصير ..
وتستمر دورة الخلل وتكبر في حلقة مفرغة يدور في فيها المصلحون حتى يصابوا بالدوار فتبتلعهم أموج الواقع البائس ..
عارف في حالة شرود ذهن ، بعد أن أنهى وجبة الإفطار الخفيفة ، فطيرة (كروسان) وعلبة عصير صناعة وطنية .. بينما زميله طلال ، لا يزال يعالج لقمة غير عادية بطريقته الخاصة .. !!
طلال نحيل الجسم لكنه يأكل بشراهة خصوصا في (الفسحة) المدرسية ذات المأكولات الوطنية الصحية ..
يلتفت عارف إلى طلال بهدوء ويسأله:
ليش سموا الفسحة .. فسحة ؟!
طلال –وفمه في حالة صراع مع الطعام-:
والله إنك فاضي .. يسكت قليلا كأنما يفكر .. ثم يواصل:
يمكن عشان الحصص نكد !!
ويمزّ عصير (سن توب) بشراهة .. يستمتع بمذاق الوطنية !!
عارف _كأنما تذكر شيئا-وبأسلوب تشويقي تقليدي يمارسه المراهقون كثيرا:
فاتك أمس !
وش صار !
كنا ندور في حي السويدي ونشوف ذاك البيت الجديد .. والله شكله غريب .. كنه كنيسة .. !!
كنيسة !!
والله كل العيال أول ما شافوه قالوا: كنيسة .. !!
طيب وبعدين .. وش سويتوا .. ؟!
اعتدل عارف في جلسته منتشيا تعجبه نفسه بعد أن رأى علامات الاهتمام من زميلة طلال لهذا الخبر المثير .. مساكين هؤلاء المراهقون ، يحتاجون من يشعرهم بالاهتمام .. !!
عارف يواصل:
أبد .. ويبتسم .. نزل عبّود ومعه البخاخ وكتب في زاوية الشارع:
شارع الكنيسة .. مع تحيات عبّود
طيب .. ما بلغتوا ولا شيء .. بأسلوب فيه خبث كأنما يتقمص دور ( المواطن الصالح) .. هكذا هم بعض شباب اليوم يتفننون في السخرية من المواطنين الصالحين .. !!
عارف:
تستهبل أنت .. أشوى اللي ما مسكونا وانا نشخبط على الجدار .. يسكت قليلا كأنما يحضّر لقفشة ويواصل:
عاد تخيل .. كنيسة .. وفي السويدي .. !!
أما عاد .. ذي كثر منها.. ما فيه إلا مساجد .. شركة صلوا .. !!
يضحك عارف بطريقة هستيرية ويقول:
أجل أنا وإياك شركة دجّوا .. !!
يغرقان في ضحك مصطنع .. وهما يستعدان للنهوض بعد أن أعلن جرس المدرسة انتهاء الفسحة وعودة النكد .. !!
دخل طلال الفصل وهو يصفق مشيرا إلى الجميع بالاستماع إليه:
ما دريتوا .. !!
تختنق الأصوات تدريجيا حتى تموت الكلمات على شفاه المتحدثين .. وتظل بعض العبارات مثل: وشوا .. وش صار .. تصارع الموت .. !!
طلال:
ما سمعتوا بسالفة الكنيسة اللي في حي السويدي .. !!
لا تعليق شفهي .. علامات الذهول على قسمات الوجوه أبلغ تعبير .. !!
يدخل المعلم كأنه مفتش عسكري في سجن المباحث عنبر (إرهابيين !! :
كرسيك يا ولد .. افتح الكتاب .. طلّع دفتر الواجبات .. واللي ما حل الواجب يوقف .. أنت يا هيه .. وجّه المكيف علي !!
غريبة أول مرّه يبكر .. أحد الطلاب يهمس !!
يبدأ المعلم في الشرح .. وتقطع شرحه المشوق الممتع ، طرقات معهودة على باب الفصل ..
أدخل !
المرشد الطلابي:
السلام عليكم .. ممكن الطالب/ أحمد العبد الله .. ويلتفت إلى الطالب:
خذ دروسك واطلع ، والدك ينتظرك تحت .. ثم يغلق الباب بعنف .. طاخخخ).. كأنما يريد أن يعبر عن شخصيته القوية من خلال الباب.. !!
بصوت خافت: ياحظّه .. قالها: أحد الطلاب .. !!
المرشد الطلابي نادرا ما يبتسم .. وكثيرا ما يتندر به المشاكسون من الطلاب .. أحد المشاكسين يعزوا عدم ابتسام المرشد إلى أنه حين كان صغيرا كان مسرفا في الضحك والـ (الكركرة) فلما كبر انتهى رصيده من الضحك فأصبح كما ترون .. !!
يعني .. ترى وده يضحك .. بس ما عنده رصيد .. !!
(2)
خرج أحمد وركب سيارة والده وذهبا إلى المستشفى ..
أحمد لديه موعد عند أخصائي الأذن والحنجرة .. حيث يعاني من ضعف في السمع .. وسرعة قذف في النطق .. !!
أحمد بتردد وتلعثم .. يفاجأ والده المنصت إلى فقرة مضارب البادية في الإذاعة المحليّة:
يقولون: فيه كنيسة في حي السويدي !
الأب يغلق المذياع مرتبكا ومذهولا:
كنيسة ؟!! .. ثم يتصنع الهدوء:
وين سمعت ذا الكلام فيه ؟! .. من اللي يقوله ..؟!
أحمد في وجل:
الطلاب يقولنه ..
أتركهم عنك .. يلعبون عليك يالنعجة .. !!
الأب لا يقصد حقيقة أن ابنه نعجة .. لأنه بذلك سيصبح ثورا !! .. وتصبح زوجته بقرة !! .. ولكن هذا من باب كما تقول العرب: ثكلتك أمك يا فلان .. ولا يقصدون الدعاء بعينه .. !!
يواصل الأب حديثه:
لو قلت في حي السفارات يمكن أصدق .. أما في السويدي .. ديار التوحيد .. هذي صعبة .. !!
أحمد وبخبث:
قصدك الفلوجة !!
يتصنع الأب ابتسامه .. كأنه يستعد لالتقاط صورة فوتوغرافية .. !
ثم يغير نبرة صوته إلى نبرة حازمة:
البلد بخير يا ولدي .. بلد التوحيد والسنة .. ولله الحمد .. ما يمكن ترضى الحكومة بهذا الشيء .. لا أسمعك تحكي بالسالفة .. عندك سوالف رجال وإلا أنثبر !!
ويفتح المذياع .. ويهيم مع الراوية الشعبي الذي يسوق قصيدة حميدان الشويعر الشهيرة:
يا من شرا له من حلاله علّه ....... جعل سلال الحمير يسلّه
ويردد الأب خلفه بنشوة:
يسلّه !!
في الوقت الذي ترتجف فيه –كالعادة- سيارته الـ نيسان بيك أب من خلل في المحرك وتقف في منتصف الطريق !!
(3)
في المساء ..
كان أبو أحمد في زيارة خاطفة لجارهم أبو جابر ..
أبو أحمد يحب زيارة أبو جابر خصوصا إذا شم رائحة حمس القهوة التي تتقنها أم جابر ..
دارت فناجيل القهوة بين الضيوف ، وأبو جابر يرحب بالضيوف بين كل كلمتين ، كأنه يصارع رفضا داخليا لهم .. يغالبه بعبارات الترحيب .. !!
سمعتوا شيء عن هاللي يحكون به الناس ؟! .. أبو أحمد يقول
الحاضرون يتبادلون النظرات كأنما كل شخص يريد أن يتحقق من صاحبه هل يعلم عن الخبر أم أنه ما عنده خبر !!
وأبو أحمد يحتسي فنجان القهوة .. يحاول اللعب بأعصاب الحضور .. والتشويق أكثر للسالفة .. والحضور شاخصين بأبصارهم إليه في حالة استجداء لمواصلة الحديث .. كأنهم جمهور رياضي يتابع ضربة الترجيح الحاسمة في المباراة .. !!
أبو أحمد .. يستجيب للضغوط .. ويواصل:
يقولون فيه كنيسة في حي السويدي .. !!
نزل الخبر كالصاعقة .. ذهلوا جميعا .. استردوا أنفاسهم .. ثم تقاذفوا الكلمات بينهم:
معقولة .. وينها فيه .. وين ذا الناس عنها .. وين ذا المشايخ .. بس جيدين في الترزز على القنوات .. حسبنا الله ونعم الوكيل .. وفي السويدي .. والله تحدي هذي .. أنا قايل أمريكا ما تخلينا ألين تنصّر المسلمين كلهم .. لا حول ولا قوة إلا بالله .. ما تقرون كتاب الله:
(ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ..).. المجلس في حالة غضب عارمة وسخط من هذا الخبر المرعب فعلا .. !!
رفع المؤذن صوته بالنداء لصلاة العشاء وتفرّق الجميع استعدادا للصلاة .. إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر .. !!
(4)
لم تمض أيام قليلة حتى تناقلت مواقع ومنتديات الإنترنت هذا الخبر المؤسف ، وتباكى الكتاب على قلعة الإسلام ومنبع الرسالة ..
أحد الكتاب يقسم بالله العظيم ، أنه رأى الكنيسة وأن السلطات أقامت نقاط تفتيش على بعد (كيلو) حول موقع الكنيسة لحمايتها ، وتمنع أيا كان من الاقتراب منها .. (لا تسألوني كيف رءاها
أحد الكتاب ينقل عن قريب له يسكن بجوار الكنيسة .. أن مراقب البلدية ومعه رجل آخر عرّف نفسه بأنه ضابط في المباحث قدم لهم خطابا يطلب منه إخلاء المنزل في أقرب وقت والبحث عن مسكن آخر دون ذكر أسباب مقنعة .. !! )إلى الآن لا أدري ما علاقة البلدية في الموضوع ؟! .. لكن في الحقيقة ليس مستغرب !! .. فالبلدية تحشر أنفها في كل شيء !!(
وعلّق أحد الظرفاء:
يمكن يبون يحطونه بيت للقسيس !!
أحد الكتاب يتساءل بتهكم:
هل ستمنع وزارة الشؤون الإسلامية القنوت على المسلمين في الكنيسة !!
أحدهم يقول:
هذي وزارة الشؤون المسيحية !!
وآخر يقول:
أنا قايل إن زيارة هالسويداء ما وراها خير .. (يقصد وزيرة الخارجية الأمريكية) .. والحمد لله .. لا يزال لدينا عقول تفكر وتستنتج !!
وخاض الكثير من الكتاب .. بعضهم لعن وشتم .. وبعضهم كفّر أطرافا رأى أنها خلف بناء هذه الكنيسة .. وبقي القليل من العقلاء ينادون بالتثبت والتحقق والرجوع إلى أهل العلم ..
وظهرت يوزرات وأسماء مختفية كانت تنشط أيام حرب أفغانستان وغزو العراق وأيام الفتن !!
وفي إحدى غرف البالتوك شن سعد الفقيه هجوما عنيفا على السعودية جاء فيه:
هذا ما كنا نخشاه .. أن ترضخ الحكومة للضغوط الغربية .. لقد حذرناهم من قبل ..
ووصلتنا أنباء من مصادرنا الموثقوة:
أن هناك صفقة سرية بين المفتي وبين بابا الفاتكان تقضي بالسماح ببناء كنائس في السعودية مقابل الضغط على فرنسا وبعض الدول الأوربية لإلغاء قانون حظر الحجاب .. !!
و سعد الفقيه هذا يحذر من كل شيء وهو يعرف كل شيء .. يقول صاحبي:
سعد الفقيه هذا يخوف !! .. تصدق إذا دخلت دورة المياه –وأنت بكرامة – أفسخ سروالي على استحياء وتردد وأقلب بصري في كل شيء في الدورات .. أخاف من مصادر سعد الفقيه أ.هـ !!
خطير سعد الفقيه .. لديه مصادر محترفة أخبار .. ولديه وحدة خاصة من مصادرة تلقت تدريبات عالية على اصطياد الأخبار من الجان مسترقي السمع ممن نجا من الشهاب الراصد .. !!
ووجّه سعد الفقيه نداءاته للإصلاحيين في السويدي ، ودعا إلى الزحف الكبير لهدم الكنائس وكسر الصليب وإقامة شعائر الإسلام التي عطّلت في جزيرة العرب .. وجعل الموعد يوم العيد !!
وكان من عادة العرب إذا أرادت ضرب مواعيد غير حقيقة قالت: يوم العيد !! .. ويقولون أحيانا: اسبقني !!
وانتشر الخبر انتشار النار في الهشيم .. والآن عرفت لماذا نصف بعض الناس بالهشيم ..!!
حيث أن الهشيم تذروه الرياح .. والشائعات نار خبيثة ، تحرق الحقائق .. والذي يصدّق الشائعات ضعيف تفكير وخفيف عقل .. فهو هشيم تذروه الرياح .. !!
انتشر الخبر .. وأصبح حديث الشارع .. وتحدث بعض خطباء الجوامع عن الحادثة ووجهوا نداءات إلى المسئولين في الدولة .. وبكى أحد الخطباء بحرقة على واقع المسلمين وضياع التوحيد والسنة .. وتحدث الراسخون في العلم من الخطباء عن التثبت وحذروا الناس من الخوض في أمور ليس لها نصيب من الصحة .. !!
وصدّرت الصحف المحلية صفحاتها الرئيسية بتصريح من مصدر مسئول ينفي ما تناقلته مواقع ومنتديات الإنترنت ويهاجم المدعو سعد الفقيه ..
وإعلامنا المحلي معروف أنه إعلام النفي .. !!
فهو إعلام اُشتهر بأنه ينفي الحقائق .. وينفي المصلحين .. !!
ومع أن الإثبات أقوى من النفي في اللغة .. إلا أن إعلامنا يصرّ على أسلوب النفي .. !!
ليؤكد صورة من أبرز صور الضعف لدينا .. فالإثبات: صناعة قنابل إخبارية .. والنفي: بحث عن نجاة بعد عملية تفجيرية .. هذه فلسفتي الإعلامية .. !!
الطريف في إعلامنا المحلي ، أن المصادر المسئولة إذا أرادت أن تعلن عن خبر جديد يهم الشعب صرحت بالأسلوب التقليدي المعروف:
لا صحة لما تردد في .. وأحيانا ,, لا صحة لما تقرر .. !!
لا أدري كيف تقرر وهو غير صحيح !!
ولذلك يستبشر الناس خيرا عند نفي أي أخبار سارة من مصدر مسئول !!
أحد المعلمين الحاذقين استوحى من سياسة إعلامنا البليد .. أسلوبا فريدا في التعامل مع طلابه !!
فإذا رغب من الطلاب تحضير واجب منزلي قال:
لا صحة لما تقرر من أنا نطلب منكم تحضير واجب منزلي .. (ويسمي حاجته)
وإذا أراد تحديد موعد للاختبار يقول:
لا صحة لما تردد أن يوم كذا وكذا موعد لاختبار أعمال السنة .. !!
طبعا .. الطلاب يتفاعلون جدا مع الأسلوب الفريد ، ويتناقلون الأخبار ويؤكد بعضهم لبعض صدق الخبر وأخذ الحيطة والاستعداد .. ونادرا ما يقصر أحد الطلاب في واجباته المنزلية أو يتخلف عن الاختبار .. بل أحيانا يقوم طلاب فصول أخرى بتحضير واجبات لم تطلب منهم متأثرين بهذا التصريح !! .. لله در هذا المعلم المتجدد !!
ليس هذا فقط !! .. هذا المعلم طموح جدا ومربي من الدرجة الأولى ، يربي طلابه تربية إعلامية منذ نعومة أظفارهم ، على أبجديات الإعلام (أسلوب النفي !!) .. فلسفته هي:
العلم ذخيرة .. والإعلام سلاح !! .. ولا سلاح بدون ذخيرة .. ولا ذخيرة بدون سلاح !!
كان هذا المعلم ينتقي البليد من طلابه ليغرس فيه فلسفته بأسلوبه غير المباشر !! .. كأن يرى أحدهم نائما فيقول:
لا صحة لما تردد أن فلان نائم (من دون أن ينظر إليه) .. فيستيقظ الطالب مباشرة ويتابع الدرس !!
أحياننا يجازف في أسلوبه مستخدما الإيحاء النفسي:
لا صحة لما تردد أن فلان نائم وسوف نرسله ليغسل وجهه ونوقفه إلى آخر الحصّة وقد نحوله للمرشد !!
تجد الطالب النائم مباشرة يفيق ويذهب إلى دورة المياه ويغسل وجهه ويقف مكانه دون أن يشعر ودون أي خلل في الحصّة الدراسية !!
لله در هذا المعلم العبقري ، يجيد استخدام الوسائل الإعلامية المبتكرة في تعليمه ، وقد حصل على شهادات وأوسمة وتكريم من وزير التعليم نفسه على هذا التفوق ، مع توصية بتعميم هذه الفكرة على المدارس !!
عارف وطلال ، يتبادلان الأحاديث الودية في فناء المدرسة وقت الفسحة.
أحاديث الطلاب مشتتة المواضيع ليس لها خطام .. تجد لديهم وفرة في الكلام ، فإذا جاءت مجالس الرجال لا تجد منهم متحدثا بليغا ، كأنهم فيما بينهم كما يقول أجدادنا: (عصافير في سدرة !!) إذا تأملت ، لا تجد فيها بلبلا مغردا !!
أحاديثهم –غالبا- حول الهم الدراسي لأنه العامل المشترك بينهم .. ولا تخلو من تعليقات لاذعة و تندر وسخرية وغيبة و.. و .. كما يدور –غالبا- في استراحة المعلمين .. !!
هكذا تبدوا الحياة التعليمية في الظل .. وهكذا يبدوا الوجه غير المضيء للقمر .. !!
الطلاب امتداد لثقافة معلميهم ومستواهم الفكري والتربوي ، والمعلمون امتداد لمستوى المرشدين والموجهين والمسئولين في وزارة التربية والتعليم ..
هناك خلل تربوي يؤرق المصلحين وكل فئة تشير إلى وجود خلل في الفئة الأقل منها ، وترمي الفئة الأعلى منها بالتقصير ..
وتستمر دورة الخلل وتكبر في حلقة مفرغة يدور في فيها المصلحون حتى يصابوا بالدوار فتبتلعهم أموج الواقع البائس ..
عارف في حالة شرود ذهن ، بعد أن أنهى وجبة الإفطار الخفيفة ، فطيرة (كروسان) وعلبة عصير صناعة وطنية .. بينما زميله طلال ، لا يزال يعالج لقمة غير عادية بطريقته الخاصة .. !!
طلال نحيل الجسم لكنه يأكل بشراهة خصوصا في (الفسحة) المدرسية ذات المأكولات الوطنية الصحية ..
يلتفت عارف إلى طلال بهدوء ويسأله:
ليش سموا الفسحة .. فسحة ؟!
طلال –وفمه في حالة صراع مع الطعام-:
والله إنك فاضي .. يسكت قليلا كأنما يفكر .. ثم يواصل:
يمكن عشان الحصص نكد !!
ويمزّ عصير (سن توب) بشراهة .. يستمتع بمذاق الوطنية !!
عارف _كأنما تذكر شيئا-وبأسلوب تشويقي تقليدي يمارسه المراهقون كثيرا:
فاتك أمس !
وش صار !
كنا ندور في حي السويدي ونشوف ذاك البيت الجديد .. والله شكله غريب .. كنه كنيسة .. !!
كنيسة !!
والله كل العيال أول ما شافوه قالوا: كنيسة .. !!
طيب وبعدين .. وش سويتوا .. ؟!
اعتدل عارف في جلسته منتشيا تعجبه نفسه بعد أن رأى علامات الاهتمام من زميلة طلال لهذا الخبر المثير .. مساكين هؤلاء المراهقون ، يحتاجون من يشعرهم بالاهتمام .. !!
عارف يواصل:
أبد .. ويبتسم .. نزل عبّود ومعه البخاخ وكتب في زاوية الشارع:
شارع الكنيسة .. مع تحيات عبّود
طيب .. ما بلغتوا ولا شيء .. بأسلوب فيه خبث كأنما يتقمص دور ( المواطن الصالح) .. هكذا هم بعض شباب اليوم يتفننون في السخرية من المواطنين الصالحين .. !!
عارف:
تستهبل أنت .. أشوى اللي ما مسكونا وانا نشخبط على الجدار .. يسكت قليلا كأنما يحضّر لقفشة ويواصل:
عاد تخيل .. كنيسة .. وفي السويدي .. !!
أما عاد .. ذي كثر منها.. ما فيه إلا مساجد .. شركة صلوا .. !!
يضحك عارف بطريقة هستيرية ويقول:
أجل أنا وإياك شركة دجّوا .. !!
يغرقان في ضحك مصطنع .. وهما يستعدان للنهوض بعد أن أعلن جرس المدرسة انتهاء الفسحة وعودة النكد .. !!
دخل طلال الفصل وهو يصفق مشيرا إلى الجميع بالاستماع إليه:
ما دريتوا .. !!
تختنق الأصوات تدريجيا حتى تموت الكلمات على شفاه المتحدثين .. وتظل بعض العبارات مثل: وشوا .. وش صار .. تصارع الموت .. !!
طلال:
ما سمعتوا بسالفة الكنيسة اللي في حي السويدي .. !!
لا تعليق شفهي .. علامات الذهول على قسمات الوجوه أبلغ تعبير .. !!
يدخل المعلم كأنه مفتش عسكري في سجن المباحث عنبر (إرهابيين !! :
كرسيك يا ولد .. افتح الكتاب .. طلّع دفتر الواجبات .. واللي ما حل الواجب يوقف .. أنت يا هيه .. وجّه المكيف علي !!
غريبة أول مرّه يبكر .. أحد الطلاب يهمس !!
يبدأ المعلم في الشرح .. وتقطع شرحه المشوق الممتع ، طرقات معهودة على باب الفصل ..
أدخل !
المرشد الطلابي:
السلام عليكم .. ممكن الطالب/ أحمد العبد الله .. ويلتفت إلى الطالب:
خذ دروسك واطلع ، والدك ينتظرك تحت .. ثم يغلق الباب بعنف .. طاخخخ).. كأنما يريد أن يعبر عن شخصيته القوية من خلال الباب.. !!
بصوت خافت: ياحظّه .. قالها: أحد الطلاب .. !!
المرشد الطلابي نادرا ما يبتسم .. وكثيرا ما يتندر به المشاكسون من الطلاب .. أحد المشاكسين يعزوا عدم ابتسام المرشد إلى أنه حين كان صغيرا كان مسرفا في الضحك والـ (الكركرة) فلما كبر انتهى رصيده من الضحك فأصبح كما ترون .. !!
يعني .. ترى وده يضحك .. بس ما عنده رصيد .. !!
(2)
خرج أحمد وركب سيارة والده وذهبا إلى المستشفى ..
أحمد لديه موعد عند أخصائي الأذن والحنجرة .. حيث يعاني من ضعف في السمع .. وسرعة قذف في النطق .. !!
أحمد بتردد وتلعثم .. يفاجأ والده المنصت إلى فقرة مضارب البادية في الإذاعة المحليّة:
يقولون: فيه كنيسة في حي السويدي !
الأب يغلق المذياع مرتبكا ومذهولا:
كنيسة ؟!! .. ثم يتصنع الهدوء:
وين سمعت ذا الكلام فيه ؟! .. من اللي يقوله ..؟!
أحمد في وجل:
الطلاب يقولنه ..
أتركهم عنك .. يلعبون عليك يالنعجة .. !!
الأب لا يقصد حقيقة أن ابنه نعجة .. لأنه بذلك سيصبح ثورا !! .. وتصبح زوجته بقرة !! .. ولكن هذا من باب كما تقول العرب: ثكلتك أمك يا فلان .. ولا يقصدون الدعاء بعينه .. !!
يواصل الأب حديثه:
لو قلت في حي السفارات يمكن أصدق .. أما في السويدي .. ديار التوحيد .. هذي صعبة .. !!
أحمد وبخبث:
قصدك الفلوجة !!
يتصنع الأب ابتسامه .. كأنه يستعد لالتقاط صورة فوتوغرافية .. !
ثم يغير نبرة صوته إلى نبرة حازمة:
البلد بخير يا ولدي .. بلد التوحيد والسنة .. ولله الحمد .. ما يمكن ترضى الحكومة بهذا الشيء .. لا أسمعك تحكي بالسالفة .. عندك سوالف رجال وإلا أنثبر !!
ويفتح المذياع .. ويهيم مع الراوية الشعبي الذي يسوق قصيدة حميدان الشويعر الشهيرة:
يا من شرا له من حلاله علّه ....... جعل سلال الحمير يسلّه
ويردد الأب خلفه بنشوة:
يسلّه !!
في الوقت الذي ترتجف فيه –كالعادة- سيارته الـ نيسان بيك أب من خلل في المحرك وتقف في منتصف الطريق !!
(3)
في المساء ..
كان أبو أحمد في زيارة خاطفة لجارهم أبو جابر ..
أبو أحمد يحب زيارة أبو جابر خصوصا إذا شم رائحة حمس القهوة التي تتقنها أم جابر ..
دارت فناجيل القهوة بين الضيوف ، وأبو جابر يرحب بالضيوف بين كل كلمتين ، كأنه يصارع رفضا داخليا لهم .. يغالبه بعبارات الترحيب .. !!
سمعتوا شيء عن هاللي يحكون به الناس ؟! .. أبو أحمد يقول
الحاضرون يتبادلون النظرات كأنما كل شخص يريد أن يتحقق من صاحبه هل يعلم عن الخبر أم أنه ما عنده خبر !!
وأبو أحمد يحتسي فنجان القهوة .. يحاول اللعب بأعصاب الحضور .. والتشويق أكثر للسالفة .. والحضور شاخصين بأبصارهم إليه في حالة استجداء لمواصلة الحديث .. كأنهم جمهور رياضي يتابع ضربة الترجيح الحاسمة في المباراة .. !!
أبو أحمد .. يستجيب للضغوط .. ويواصل:
يقولون فيه كنيسة في حي السويدي .. !!
نزل الخبر كالصاعقة .. ذهلوا جميعا .. استردوا أنفاسهم .. ثم تقاذفوا الكلمات بينهم:
معقولة .. وينها فيه .. وين ذا الناس عنها .. وين ذا المشايخ .. بس جيدين في الترزز على القنوات .. حسبنا الله ونعم الوكيل .. وفي السويدي .. والله تحدي هذي .. أنا قايل أمريكا ما تخلينا ألين تنصّر المسلمين كلهم .. لا حول ولا قوة إلا بالله .. ما تقرون كتاب الله:
(ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ..).. المجلس في حالة غضب عارمة وسخط من هذا الخبر المرعب فعلا .. !!
رفع المؤذن صوته بالنداء لصلاة العشاء وتفرّق الجميع استعدادا للصلاة .. إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر .. !!
(4)
لم تمض أيام قليلة حتى تناقلت مواقع ومنتديات الإنترنت هذا الخبر المؤسف ، وتباكى الكتاب على قلعة الإسلام ومنبع الرسالة ..
أحد الكتاب يقسم بالله العظيم ، أنه رأى الكنيسة وأن السلطات أقامت نقاط تفتيش على بعد (كيلو) حول موقع الكنيسة لحمايتها ، وتمنع أيا كان من الاقتراب منها .. (لا تسألوني كيف رءاها
أحد الكتاب ينقل عن قريب له يسكن بجوار الكنيسة .. أن مراقب البلدية ومعه رجل آخر عرّف نفسه بأنه ضابط في المباحث قدم لهم خطابا يطلب منه إخلاء المنزل في أقرب وقت والبحث عن مسكن آخر دون ذكر أسباب مقنعة .. !! )إلى الآن لا أدري ما علاقة البلدية في الموضوع ؟! .. لكن في الحقيقة ليس مستغرب !! .. فالبلدية تحشر أنفها في كل شيء !!(
وعلّق أحد الظرفاء:
يمكن يبون يحطونه بيت للقسيس !!
أحد الكتاب يتساءل بتهكم:
هل ستمنع وزارة الشؤون الإسلامية القنوت على المسلمين في الكنيسة !!
أحدهم يقول:
هذي وزارة الشؤون المسيحية !!
وآخر يقول:
أنا قايل إن زيارة هالسويداء ما وراها خير .. (يقصد وزيرة الخارجية الأمريكية) .. والحمد لله .. لا يزال لدينا عقول تفكر وتستنتج !!
وخاض الكثير من الكتاب .. بعضهم لعن وشتم .. وبعضهم كفّر أطرافا رأى أنها خلف بناء هذه الكنيسة .. وبقي القليل من العقلاء ينادون بالتثبت والتحقق والرجوع إلى أهل العلم ..
وظهرت يوزرات وأسماء مختفية كانت تنشط أيام حرب أفغانستان وغزو العراق وأيام الفتن !!
وفي إحدى غرف البالتوك شن سعد الفقيه هجوما عنيفا على السعودية جاء فيه:
هذا ما كنا نخشاه .. أن ترضخ الحكومة للضغوط الغربية .. لقد حذرناهم من قبل ..
ووصلتنا أنباء من مصادرنا الموثقوة:
أن هناك صفقة سرية بين المفتي وبين بابا الفاتكان تقضي بالسماح ببناء كنائس في السعودية مقابل الضغط على فرنسا وبعض الدول الأوربية لإلغاء قانون حظر الحجاب .. !!
و سعد الفقيه هذا يحذر من كل شيء وهو يعرف كل شيء .. يقول صاحبي:
سعد الفقيه هذا يخوف !! .. تصدق إذا دخلت دورة المياه –وأنت بكرامة – أفسخ سروالي على استحياء وتردد وأقلب بصري في كل شيء في الدورات .. أخاف من مصادر سعد الفقيه أ.هـ !!
خطير سعد الفقيه .. لديه مصادر محترفة أخبار .. ولديه وحدة خاصة من مصادرة تلقت تدريبات عالية على اصطياد الأخبار من الجان مسترقي السمع ممن نجا من الشهاب الراصد .. !!
ووجّه سعد الفقيه نداءاته للإصلاحيين في السويدي ، ودعا إلى الزحف الكبير لهدم الكنائس وكسر الصليب وإقامة شعائر الإسلام التي عطّلت في جزيرة العرب .. وجعل الموعد يوم العيد !!
وكان من عادة العرب إذا أرادت ضرب مواعيد غير حقيقة قالت: يوم العيد !! .. ويقولون أحيانا: اسبقني !!
وانتشر الخبر انتشار النار في الهشيم .. والآن عرفت لماذا نصف بعض الناس بالهشيم ..!!
حيث أن الهشيم تذروه الرياح .. والشائعات نار خبيثة ، تحرق الحقائق .. والذي يصدّق الشائعات ضعيف تفكير وخفيف عقل .. فهو هشيم تذروه الرياح .. !!
انتشر الخبر .. وأصبح حديث الشارع .. وتحدث بعض خطباء الجوامع عن الحادثة ووجهوا نداءات إلى المسئولين في الدولة .. وبكى أحد الخطباء بحرقة على واقع المسلمين وضياع التوحيد والسنة .. وتحدث الراسخون في العلم من الخطباء عن التثبت وحذروا الناس من الخوض في أمور ليس لها نصيب من الصحة .. !!
وصدّرت الصحف المحلية صفحاتها الرئيسية بتصريح من مصدر مسئول ينفي ما تناقلته مواقع ومنتديات الإنترنت ويهاجم المدعو سعد الفقيه ..
وإعلامنا المحلي معروف أنه إعلام النفي .. !!
فهو إعلام اُشتهر بأنه ينفي الحقائق .. وينفي المصلحين .. !!
ومع أن الإثبات أقوى من النفي في اللغة .. إلا أن إعلامنا يصرّ على أسلوب النفي .. !!
ليؤكد صورة من أبرز صور الضعف لدينا .. فالإثبات: صناعة قنابل إخبارية .. والنفي: بحث عن نجاة بعد عملية تفجيرية .. هذه فلسفتي الإعلامية .. !!
الطريف في إعلامنا المحلي ، أن المصادر المسئولة إذا أرادت أن تعلن عن خبر جديد يهم الشعب صرحت بالأسلوب التقليدي المعروف:
لا صحة لما تردد في .. وأحيانا ,, لا صحة لما تقرر .. !!
لا أدري كيف تقرر وهو غير صحيح !!
ولذلك يستبشر الناس خيرا عند نفي أي أخبار سارة من مصدر مسئول !!
أحد المعلمين الحاذقين استوحى من سياسة إعلامنا البليد .. أسلوبا فريدا في التعامل مع طلابه !!
فإذا رغب من الطلاب تحضير واجب منزلي قال:
لا صحة لما تقرر من أنا نطلب منكم تحضير واجب منزلي .. (ويسمي حاجته)
وإذا أراد تحديد موعد للاختبار يقول:
لا صحة لما تردد أن يوم كذا وكذا موعد لاختبار أعمال السنة .. !!
طبعا .. الطلاب يتفاعلون جدا مع الأسلوب الفريد ، ويتناقلون الأخبار ويؤكد بعضهم لبعض صدق الخبر وأخذ الحيطة والاستعداد .. ونادرا ما يقصر أحد الطلاب في واجباته المنزلية أو يتخلف عن الاختبار .. بل أحيانا يقوم طلاب فصول أخرى بتحضير واجبات لم تطلب منهم متأثرين بهذا التصريح !! .. لله در هذا المعلم المتجدد !!
ليس هذا فقط !! .. هذا المعلم طموح جدا ومربي من الدرجة الأولى ، يربي طلابه تربية إعلامية منذ نعومة أظفارهم ، على أبجديات الإعلام (أسلوب النفي !!) .. فلسفته هي:
العلم ذخيرة .. والإعلام سلاح !! .. ولا سلاح بدون ذخيرة .. ولا ذخيرة بدون سلاح !!
كان هذا المعلم ينتقي البليد من طلابه ليغرس فيه فلسفته بأسلوبه غير المباشر !! .. كأن يرى أحدهم نائما فيقول:
لا صحة لما تردد أن فلان نائم (من دون أن ينظر إليه) .. فيستيقظ الطالب مباشرة ويتابع الدرس !!
أحياننا يجازف في أسلوبه مستخدما الإيحاء النفسي:
لا صحة لما تردد أن فلان نائم وسوف نرسله ليغسل وجهه ونوقفه إلى آخر الحصّة وقد نحوله للمرشد !!
تجد الطالب النائم مباشرة يفيق ويذهب إلى دورة المياه ويغسل وجهه ويقف مكانه دون أن يشعر ودون أي خلل في الحصّة الدراسية !!
لله در هذا المعلم العبقري ، يجيد استخدام الوسائل الإعلامية المبتكرة في تعليمه ، وقد حصل على شهادات وأوسمة وتكريم من وزير التعليم نفسه على هذا التفوق ، مع توصية بتعميم هذه الفكرة على المدارس !!