PDA

عرض الاصدار الكامل : هل أحسست من قبل بهذا الإحساس ؟



رياض الزهراني
07-05-2006, 07:41 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

(((القصة حقيقية)))
هل أحسست من قبل بهذا الإحساس ؟

فجأة وإذا بخفقات قلبي تزيد ، ونبض دمي يعلو ، فما شعرت إلا وشيء يكتم أنفاسي ، صحت بأعلى صوتي ، ضاق نَفَسي ، بردت أطرافي ، هملت يداي ، ناديت يا إخوتي أصدقائي أغيثوني ، ما هذا الذي داهمني آتوني بطبيبي ، بل بصديقي وأخي وحبيبي ، لكن واحسرتاه .. واحسرتاه ... أصيح بأعلى صوتي فلا أسمع سوى صدى ندائي يتردد في أرجاء غرفتي المظلمة

قلبي يخفق بأعجوبة ، كأني أتنفس من خرم إبرة . أيقنت عندها أنه جاء يطلبني، توسلت إليه ليمهلني لينظرني ولو ساعة من نهار، لكن دون جدوى، كان شديداً غاضباً مني، عيناه تحكي حقده عليَّ، رفض توسلي إليه، قال بأعلى صوته: ألم تعرفني ؟ ألم تسمع بي ؟ قلت : بلى ... أنتَ من جاء ليغمض عيني ويلفني بأكفاني ، بل ويبعدني عن أهلي وأحبابي ، أنت من جاء ليخطفني من بين أشرطتي وقنواتي ، ويدمر تسليتي بألعابي
ردَّ بصوت مخيف : إنك راحل ، وإلى مطار تعرفه مسافر . زادت آلامي ، وحُبست في جوفي أحرفي قبل كلماتي
انتهرني قائلاً لِمَ تنساني ، لِمَ تنساني ...
.
ارتجت كلماتي وخانني لساني ، ما فكرت يوماً أنك تطلبني ، ما فكرت يوماً أنك تطرق بابي لتعيدني لصوابي ، وتغلق صفحة حياتي ، وتقطع استمتاعي بشبابي
عندها تذكرت أنها صيحات فراق ، وآلام وداع ، أودع الدنيا راحلاً إلى مطار أرضه غير مرصوفة ، وسادته التراب ، ومستقبلوه الدود ، وغطاؤه اللحود ، برده شديد يفتك العظام ، يقطع الأوصال ، يمحو الملامح والشباب ، وتسيل منه العينان على الخدان ، ويتدلى منه اللسان ، نداؤه لا يُسمع ، وتوسله لا يُجاب ، إذاً قد أصبح بينه وبين الدنيا حجاب
صحتُ بأعلى صوتي

آهٍ ... لو أعود

سحبت جسمي وأسندت ظهري على جدار غرفتي المرعب وأنا أشعر بالوهن والمرض يدبُّ إلي. هل هو الموت؟ هل انتهت أيامي وجاء لقائي بربي ؟
حزنت ... بكيت ... رفعت صوتي, أيقنت أن لا أحد يسمعني. شبح الموت يتراءي أمام ناظري , تدحرجت دموعي على خدي , خوفاً وهلعاً أن أفارق الحياة وأنا في ريعان الشباب
آهات وآلام تحفز دموع الندم , لتقول لي:كم من متعة استمتعتها ,وشريط فسوق رايته او سمعته , وصلاة تكاسلت عنها , ارتعش لساني وخرجت كلماتي : بأي وجه أقابل ربِّي ؟
كيف أعتذر وقد خنته ؟ هل سيعفو عني أم سيلقي بي غير مبالٍ إلى النار؟ الأسئلة الملحة تطاردني , والحسرة والندم ينهشان قلبي . سأهرب ولكن إلى أين ؟ الدنيا كلها لن تخفيني ممن يطاردني , لساني يلهث يردد رحماك ربِّي ... إلهي أتوسل إليك أمهلني لازلت في ريعان شبابي , سفينة حياتي تتحطم على صخرة النهاية . الموت يدكها .. يحطمها .. يكسرها بشراسة كأن بينه وبينها عداوة ... رحماك ربي


وما هي إلا لحظات وإذا بباب البيت يفتح مبشراً بوصول أهلي , فرحت فرحاً لا يوصف , استجمعت أنفاسي ودَّبت الحياة لأعضائي , تحرك لساني , ناديتهم بأعلى صوتي , وهو يطاردني جاثم على صدري , أمي الحبيبة أدركيني ... حبيبك يغادر الدنيا, تودع آخر أنفاسه الحياة. أمي الحبيبة أدركيني... حبيبك أنفاسه محجوزة, ومأجيريني.فزوعة, أمي الحنون أين أنتِ عني ؟ أين حنانك مني؟ بل أين حبٌّك لي؟ أماه امنعيني ومن الموت أجيريني .. حبيبك يموت ... أماه مُدِّي لي يدك اعلق فيها آخر أنفاس الحياة. أماه مُدِّي لي يدك أقبِّلها .. أودعها ... أشمّ فيها رائحة المحبة .

أمي الحبيبة سامحيني كم تطاولت يوماً عليك. أماه إنها لحظات الوداع وزفرات الفراق. دنت مني أمي ودموعها تكاد تغرقني. نادتني حبيبي حياتي , أفديك بنفسي , وضعتْ رأسي علي حجرها , وأمسكت يدي بيدها , بكاؤها يقطع قلبي ويزيدني ألماً فوق ألمي . صحت : آه آه يا أماه من شيء يقطع قلبي , يمزق أعضائي , يجري مع دمي , بل يا أماه يكسر عظامي .. آه لو تعلمين.. إنه ألم شديد وفراق إلى مدى بعيد .. زاد بكاؤها ورفعت يديها إلى السماء تدعو إلهي: أمهل حبيبي ليتوب, ليعود. إلهي لا تخيب رجائي فيك

.
مددت يدي لأختي ... لأخي .لأبي.ي ... تعلقتُ بهم .. وداعاً أحبَّتي.. علا بكاؤهم, وزاد أساهم, يرون آلامي لا تُوصف, تعجز عن وصفها الأقلام, ويقف عنها عاجزاً الكلام.. جبال على صدري , وهموم تثقلني .. إلهي من يفرِّج همي وينفِّس كربتي .. اشتد نزعي, ضاق والله بها صدري.. ينادونني قل لا إله إلا الله.

وذاك يقول احملوه للمستشفى لازال فيه حياة . حُملت للمستشفى, واستقبلت بحفاوة , ووضعت بين الأجهزة في غرفة الإنعاش .. هذا بإبرة وذاك بأكسوجينه , وآخر ينعش بضربات القلب . حاولوا ثم حاولوا . لكن لم يستطيعوا انتشالي من بين فكي الموت, لقد شدَّ عليَّ بأسنانه وشدَّ علي بأضراسه

وبعد ساعات حار الطبيب بعلمه , وانثنى منكساً رأسه معلناً أمام الموت فشله . خرج لأهلي, دموعه على خده قابضاً يده . تعالوا لتحضروا وفاته . دخلوا الغرفة كلهم , ولساني يهذي بأمور لا أشعر بها . حكيت لهم قصة حياتي , بشريط مسجل على لساني , كنتُ مظهراً التزامي وأمامهم مبتعداً عن الملهيات والأغاني , وإذا بهم يتفاجئون بالحقيقة المرَّة . انكشف الغطاء وبدأ الزيف والافتراء . حقيقة مُرة وكذبة كبيرة , عشت فيها سنين . تذكرت عندها كلاماً لسفيان الثوري : أكبر خيانة أن يخونك لسانك عند الموت فلا ينطق بها . أتعرف ما هي ؟ إنها الشهادة, وفجأة تجمع الأطباء حولي واشتد نزعي, وصِحْتُ بأعلى صوتي:

آه لو أعود

من منكم يزيدني من عمره ساعة .. دقيقة .. ثانية ؟
لأكتشف الحقيقة وأحطم زيف الكذبة ,كل منهم ودمعه ينهال على خديه قابضاً من الحزن يديه
وفجأة وإذا بأجهزة الأطباء تضطرب وتخفق بسرعة , هوت كلها إلى مؤشر الصفر معلنة النهاية , فدقت أجراسها خطراً , وعلا صوتها منذراً , وانطفأت كلها وفاضت معها روحي . ورأى الكل مصرعي بل نهاية حياتي وبداية قيامتي ، خرج الجميع من الغرفة وتركوني وحيداً فريداً في غرفة باردة , تركوني مع أيدٍ غريبة تقلبني وتلفني بأثواب . ربطوا بها يدي , وشدوا بها رأسي , واستدعوا موظف الثلاجة ليحملني على عربته وحيداً لا مرافق لي ، تركني أهلي كأنهم خائفون مني مستوحشون من حالي ، لا جرأ أحد منهم على لمسي ، أدخلت الثلاجة وفتحت لي أبوابها , حملني اثنان وعن العربة أنزلوني , وفي الدرج الأول تركوني , مكان ضيق كأنه لحد . أغلقوا علي إغلاقاً محكماً , ثم أقفلوها خارجين و إلي أعمالهم عائدين , أطفئوا الأنوار , زاد برد الثلاجة , كل ما فيها أناس صامتون , جيران لا يتكلمون, لا نفس فيسمع , ولا داعي فيجاب ,كنت أمر بقرب هذا المكان لا أستطيع النظر إليه خوفاً منه وها أنا اليوم أودع فيها , يالها من نهاية , وما هي إلا لحظات وإذا بأبواب تُفتح , ضجيج وأصوات عالية , ومن بينهم صوت يقول : أنا أغسله , وآخر أنا أكفنه

أخرجوني من درجي ووضعوني على مكان غسلي , كأنهم خائفون مني , خلعوا ملابسي وستروا عورتي , صبوا الماء فوق رأسي وغسلوني , قرَّبوا الأكفان ونشروها ثم طيَّبوها , حملت بين أيديهم ألقوني بينها , بدأوا بتغطية وجهي , أوثقوني بالأربطة , ما أشده وأظلمه من غطاء , قبَّلني أبي وأخي , واستدعيت أمي فلم تتمالك نفسها , حنت رأسها عليَّ وقبَّلتني

تركوني في ناحية المسجد وحيداً , انتهت الصلاة وتداعى أحبتي : إلينا بعبد الله فاحملوه وللصلاة قرِّبوه , حُملت بين الأيدي , ورفعت على الأعناق صلى الناس وخرجوا. حُملت على الأكتاف تتبعني الدعوات : اللهم ثبَّته عند السؤال , أين أصبح أصحابي يا أحبابي , دعوني معكم ولو ليلة , أترمون بي ؟! قد كنت لكم خادماً أخاً صادقاً , أفي حفرة تودعونني ؟ ضاعت هداياي لكم وخدماتي ,كم ليلة سامرتكم أضحكتكم صدق فيَّ حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم , حديث قد طرق سمعي لكني لم أعره بالاً .

تنادي جنازتي : دعوني ... دعوني ... أعرف ما أمامي , إنها أشرطتي وأفلامي, أنزلوني ... أنزلوني
أما تسمعون ندائي ... لا أحد يبالي ... وضعوني على شفير القبر وحافته , أرى قبري يُحفر أمامي . يا أبي أتحفر لي لتواريني ، أنظر إلي قبري كأني أعرفه موحش , مظلم , مقفر. آه ... يا إلهي ما أوحشه , طين وتراب , صخور كبيرة تكتم الأنفاس ، هاهم انتهوا وللطين قربوا , نادوا إلينا بالجنازة , حملها الأقربون مسرعين ينتحبون , بكاؤهم يزيد يعلمون أني مغيب إلى مدى بعيد , أنزلوني , استقبلني أبي وأخي الأكبر , وسدُّوا لي التراب , وضعوا جنبي بين اللحود . عندها ودَّعت الدنيا . وداعاً أيتها الشمس , آه ... أيها الظلام , حلوا رباط أكفاني , قبَّلني أبي ودعا لي , نادوا باللحود حجارة كبيرة وضعوها فوق رأسي على رجلي وغطوا جسدي , أصيح فلا مجيب , أيها الناس أغلقتم منافذ الهواء , فإذا بالنداء لا يقرع إلا آذاناً صماء . زادوا علي التراب , تراب فوق تراب , الكل يحثو حتى ردموا الحفرة وأغلقوا معها آخر أنفاس الحياة , تهيئوا للرحيل
ذهبوا وأبقوني وحيداً , ذهبوا وتركوني أسامر الدود , استقبلني القبر بضمته , واللحد بغمته , أخذ التراب ينهال على وجهي , كفى أيها المستقبلون, أهكذا تستقبلون ضيفكم: ردَّ القبر بصوت مرعب : أما سمعت في الدنيا ندائي « ما من يوم يطلع فجره إلا وينادي القبر : أنا بيت الظلمة , أنا بيت الوحشة , أنا بيت الدود , اسمع إلى ترحيبي : إذا وُضع العبد الفاجر في جوفي قلت له : لا أهلاً ولا مرحباً , أما والله قد كنت أبغض من يمشي على ظهري , إلي فقد وليتك اليوم فسترى صنيعي بك .



هذا هو ندائي أما سمعت به ؟! نعم قد سمعته وطرق أذني , ولكني تباعدت اللقاء بل تناسيته . أمهلني أيها القبر لأعود . انتهرني قائلاً : تعود , كلا قد فات الأوان عندها دبَّ الدود على وجهي وبدأ يأكل أكفاني , صحت بأعلى صوتي

آه . آه لو أعود . آه . آه لو أعود


استيقظ أبي وفتح باب غرفتي : بُنيّ ما بك ؟ أبي ... أمي ... آه لو أعود
بنيَّ من أين تعود ؟ أنت في البيت , تعلقت به يا أبي أنقذني , أبعد الدود عن وجهي.
بنيَّ لا تخف أنت في بيتك , تجمع إخواني… أنا في صيحة واحدة : آه لو أعود . أضاءوا الأنوار وإذا بي بينهم ..
تلمست أيديهم , عندها أدركت أنني لازلت على قيد الحياة
آه يا الله ! يا له من حلم ... ما أبشعه , بل وأوحشه , قد هزَّ كياني أرعبني ومن الآخرة أدناني , جلست على فراشي , ها أنت يا عبد الله في مهلة إذاً فاعمل
تذكرت الربيع بن خيثم وقبره : حفر له قبراً داخل بيته فكان إذا مالت نفسه إلي الدنيا نزل في قبره , وإذا ما رأى ظلمة القبر ووحشته صاح { رَبِّ ارْجِعُونِ } فيسمعه أهله فيفتحون له , وفي ليلة نزل قبره وغطى بغطائه . فلما استوحش داخله نادى { رَبِّ ارْجِعُونِ } فلم يسمع له أحد . وبعد زمن طويل , سمعته زوجته ، فأسرعت إليه وأخرجته
فقال عند خروجه

اعمل يا ربيع

قبل أن تقول رب ارجعون فلا يجيبك أحد

اخي الكريم
الأن تخيل نفسك انك عدت الأن و امهلك الله عز و جل برحمته و اعطاك الفرصة للتوبة و الأقلاع عن المعاصي و الأثام ، الا تنتهزها، الأ تبادر بالعودة الي مولاك
أما آن ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
من كتاب

صلاح الأمة في علو الهمة

للدكتور سيد بن حسين العفاني

عرفت أنه لا طريق للنجاة إلا طريق الاستقامة
كسرت أشرطتي , وحرقت مجلاتي , جددت استقامتي البالية , قطعت حبل كل ودٍّ بزملائي القدامى, واتجهت إلى ربي : إليك ربي , إليك ربي
فكلما نويت بمعصية تذكرت تلك الرحلة التي رحلتها , فوالله بعدها ما هممت بمعصية

علي درع
07-05-2006, 08:44 AM
جزاك الله خيرا وأجزل لك الأجر والمثوبة

ماجد الحارثي
07-05-2006, 08:49 AM
جزاك الله خير ،،
اللهم انا نسألك صلاح العمل ، وحسن الخاتمة..

يوسف المعلم
07-05-2006, 10:54 AM
... أخذ التراب ينهال على وجهي , كفى أيهاالمستقبلون, أهكذا تستقبلون ضيفكم!!!
ردَّ القبر بصوت مرعب : أما سمعت في الدنياندائي < ما من يوم يطلع فجره إلا وينادي القبر : أنا بيت الظلمة , أنا بيت الوحشة , أنا بيت الدود >




يا من يعد غدا لتوبته********أعلى يقين من بلوغ غد


جزاك الله خير يا رياض

تركي العردان
07-05-2006, 01:30 PM
جزاك الله خيرا وأجزل لك الأجر والمثوبة

محمود
07-05-2006, 02:03 PM
أثابك الله يا أبا عمر على ما نقلت ..

حسن الفريد
07-05-2006, 03:09 PM
جزاك الله خيرا وثقل موازيين حسناتك بهذا التذكير والوعظ

ولو أننا جعلنا الموت في كل لحظة نصب أعيننا لما أسرفنا في عصيان خالقنا

منصور العلياني
07-05-2006, 11:42 PM
جزاك الله خيراً أبا عمر

وهذه قصيدة للعشماوي عن مشاهد من يوم القيامة فيها الكثير من العظة



وقفت جميع مشاعري تتأمل ...وفمي عن النطق المبين معطل
ما كنت في حلم ولا في يقظة... بل كنت بين يديهما أتململ
أرنو إلى الأفق البعيد فماأرى ... إلا دخانا تائهـا يتجول
وحشود أسئلة تجر ذيولها ... نحوي وباب الذهن عنها مقفل

أحسست أن إرادتي مسلوبة ... وشعرت أن مخاوفـي تترهل
وشعرت أني في القيامة واقف ... والناس في ساحاتها قد هرولوا
يسعون كالموج العنيف عيونهم ... مشدوهـة وعقولهـم لا تعقـل
والكون من حولي ضجيج مرعب ... والأرض من حولي امتداد مذهل
قد أخرجت أثقالها وتأهبـت ... للحشر وانكسر الرتاج المقفـل
والناس أمثال الفراش تقاطروا ... من كل صوب هاهنا وتكتلـوا
كل الجبال تحولت من حولهم ... عهنا وكل الشامخـات تزلـزل
وجميع من حولي بما في نفسهم ... لاه فلا معـط ولا متفضــل
كل الخلائق في صعيد واحـد ... جمعت فسبحـان الذي لايغفـل

وأقيم ميزان العدالـة بينهـم ... هـذا بـه يعلـو وذلك يـنزل
وتجمعت كل البهائم بعضهـا ... يقتص من بعض وربـك أعـدل
حتى إذا فرغ الحساب وأنصفت ... من بعضها نزل القضاء الأمثـل
كوني ترابا يا بهائم .. عندهـا ... صاح الطغاة وبالأماني جلجلـوا
يا ليتنا كنـا ترابـا مثلهــا ... يا ليتنا عـن أصلنـا نتحـول
هيهات لا تجدي الندامة بعدما ... نصب الصراط لكم وقام الفيصل

ومضيت أقرأ في الوجوه حكاية ... إجمالهـا عنـد الذكي مفصـل
ورأيت مالا كنت أحلم أن أرى ... حولي وقد كشف الستار المسدل
هذا هو النمرود يندب حظـه ... والدمع مـن هول المصيبة يهطل
وهناك فرعون المألـه نفسـه ... يسعى بغـير بصيرة ويولول
وهناك كسرى تـاه عند إيوانه ... مترنـح فـي سـيره متملمـل
وهناك قيصر نفسـه مكسورة ... وبقـلبـه ممـا يعانـي مرجـل
وهنا ابو جهل يراجع نفسـه ... عينـاه توحـي أنـه يتـوسـل
يارب أرجعنا لنعمـل صالحـا ... غير الذي كنـا نقـول ونعمـل

هيهات قد طوي الكتاب ألم يكن ... فيكـم نـبي بالهدايـة مرسـل
سبحان ربك هؤلاء جميعهـم ... كانـت لهـم دار هنـاك تبجـل
لكنهم كفروا بمن أعطاهــم ... ملكـا وعاثوا في البـلاد وقتلـوا
ورموا بشرع الله خلف ظهورهم ... عزلوه عن حكم الزمان وعطلـوا
جمع الطغاة هنا وقد هانوا علـى ... ربـي وعـد المؤمـن المتبتـل
وقفوا وآلاف الضحايا حولهـم ... فاليوم ينظر في الأمور ويبطل
واليوم يسعـد مؤمـن بيقينـه ... واليوم يشقى الفاسق المتحلل
واليوم يمتد الصراط فمسـرع ... نحو النعيم وزاحف متمهل
ومحمل بالذنب زلـت رجلـه ... فهوى ونار جهنم تستقبل

فأجلت طرفي ساعة فرأيت من ... أمر القيامة مايروع ويذهل
هذا أب يسعى إلـيه وحيـده ... وبمقلته ترقب وتـوسل
أبتاه أرهقني المسـير وحاجـتي .. شيء يسير لايمض ويثقل
شيء من الحسنات ينقذني وقـد ... خفت موازيني وفيك أؤمل
أنت الذي عودتني فيما مضـى ... بذلا ومثلك في المصائب يبذل
وإزور وجه أبيه عنه مـرددا ... نفسي أحق بما تقول وأمثـل
ومضى كسيف البال يسأل نفسه ... ماذا جرى لأبي .. أهذا يعقل ؟
وبدت له بين الجموع حليلة ... كانت تفضله وكـان يفضـل
وغدا يناديها رويدك زوجتي ... فأنا الحبيب وليس مثلك يجهل
ريحانتي أنسيت أيام الصبا ... أيام كنا من هوانـا ننهـل ؟
أنا من وهبتك في فؤادي منزل ... ماكان فيه لغير حبك منزل
شيء من الحسنات ينقذني وقد ... خفت موازيني وفيك أؤمـل
قالت له والهـم يشعـل قلبهـا ... لهبا وفي أحشائهـا يتغلغـل
عذرا فـأنت رفيق عمري إنمـا ... نفسي أحق بما تقول وأمثـل
ومضى كسيف البال حتى لاح في ... وسط الزحام خيال من لايبخل
أم رؤوم راح يركـض نحوهـا ... جذلا وهل بعد الأمومة موئل ؟
حملته في أحشائهـا وتحملـت ... من أجل راحته الذي لايحمـل
أمـاه ياأمـاه مـدي لي يـدا ... فلكم بذلت إذا أتيتك أسـأل
شيء من الحسنات ينقذني وقد ... خفت موازيني وفيـك أؤمـل
قالت له والدمع يغلب صـبرها ... نفسي أحق بما تقـول وأمثـل


ونقلت طرفي لحظة فرأيت مـا ... لاتستريح له النفـوس وتقبـل
بشر كأنهم الحوامل قد مشـوا ... مشيا ثقيـلا والمصيـبة أثقـل
من هؤلاء ؟ فقال من يدري بهم : ... أهل الربا بئس المقام المخجـل
أكلوا الربا جهرا ولم يتورعـوا ... عن أكله ومشوا إليه وأرملـوا
ماصدهم عن أكلـه بطلانـه ... وكذاك باطل كـل قـوم يبطـل


وأخذت ناحية أفكـر بالـذي ... يجري وأرسل ناظـري وأنقـل
ماذا أرى رجل يحيـط برأسـه ... طوق وفي رجليه قيـد محجـل
من ذلك الرجل التعيس ؟ فقال لي ... من عنده خـبر يقـين ينقـل
هذا الذي خان العهود وعاش في ... دنياه يغتصب الحقوق ويأكـل
يسطوا على مال الضعيف وأرضه ... واليوم يجـني ماثـراه ويحمـل
الشبر في الدنيـا يقابلـه هنا ... سبع من الأرضين بئس المحمـل


ورأيت قومـا يدعسون كأنـهم ... نمل وقد ذاقـوا الهوان وجللـوا
من هؤلاء البائسـون أراهـم ... هانوا ومن كتب الكرامة أعقلوا
فأجابني : هم كل مختـال لـه ... فيما مضى كـبر عليـه يعـول


وذهلت عنهم حين أبصر ناظري ... رجل يساق الى الجحيم ويعتــل
ووراءه امرأة يحيـط بجيدهـا ... حبل يلف مـن الجحيـم ويفتـل
من ذلك الرجل الشقي وهذه ... تجـري علـى أعقابـه وتولـول
هذا أبو لهب وزوجتـه الـتي ... كانت تجول على النـبي وتجهـل


وأخذت ناحية فـلاح لناظـري ... روض وأزهـار ونـور مقبـل
غرف بطائنهـا الحريـر وتربها ... مسك بماء المكرمـات مبلـل
ونساؤهـا حور فوجه مشـرق ... كالشمس ساطعة وطرف أكحل
أنهارهـا عسـل وخمـر لـذة ... للشاربـين وشربهـا لايثمـل
وبناؤها من فضـة من فوقهـا ... ذهب وعند الله ماهو افضـل
أقـل من فيهـا نصيبا حظـه ... أضعاف دنيانا وربـك يجـزل
رأيت فيها الساكنين ربوعهـا ... نحو الجنان وفي المنازل أنزلـوا
على الأرائك يجلسون حديثهم ... مستبشرين بما رأوه وحصلـوا
يتذكرون حوادث الدنيا الـتي ... صمدوا لها وعلى الإله توكلـوا
طوبى لكم هذي منازلكم فمـا ... خابـت مساعي من يجد ويعمل
أجلت طرفي في الوجوه فـلاح لي ... وجه بدا وكأنما هـو مشعـل
وجه الرسول يشع نورا صادقـا ... قد جاء في حلل السعادة يغفل
ورأيت أصحاب الرسول وقد مضوا ... نحو الجنان وفي المنازل أنزلـوا
ورأيت مؤمن آل فرعون الـذي ... نبذوا .. وصفحة وجهه تتهلل
والكوثر الرقراق لاتسـأل فمـا ... مثلي يجيب وليس مثلي يُسأل
نهر كأن الـدر يجـري بينـه ... أو أنه النور الذي يتسلسـل
سبحـان ربك هاهنا حصل الذي ... ماكان لولا فضل ربك يحصل
ورفعت طرفي لحظة فرأيت مـن ... لاشيء يشبهـه وليس يمثـل
نور تجلـى للخـلائـق كلهـا ... فتواضعـوا لجلالـه وتذللوا
وقعوا سجودا يلهجون بذكـره ... والكون بالصمت المهيب مكلل
سجدوا وأما المبطلون فحاولـوا ... أن يسجدوا لكنهم لم يفعلـوا
وصحوت من حلمي ونفسي بالذي ... شاهدت مؤمنة وعيني تهمـل
وشعرت أن مظاهر الدنيا الـتي ... لهوى ..مظاهر نشوة لا تكمـل
وعلمت ان الله يمهـل عبــده ... عطفـا عليـه وأنـه لا يهمـل




وهنا وقفت وفي فؤادي دوحـة ... تحنـو علي غصونهـا وتظلـل
هي روضة الإيمان يجري نهرها ... عذبـا ويشدوا في رباها البلبل